الاثنين، 26 مايو 2008

الى كل مسئول كبير فى الدنيا ..


انتبه أيها المسئول الكبير ...
لأننى أحلم بالعدل ، وتحقيق الصالح العام ، واثراء المجتمع بالكفاءات الحقيقية التى يخفيها مساعدى المسئول الكبير عن عينيه ، ولأن هذه الكفاءات الحقيقية يمكن أن تغنى الوطن عن الاستعانة بكثير من الأجانب الخبراء أصحاب الرواتب والامتيازات اللامعقولة والتى نكتشف فيما بعد أنها عادية جدا ...
ولأننى أكره الفشل ، وهدم المؤسسات الناجحة ليعاد بناؤها من جديد بتكلفة مضاعفة وخسارة فى الوقت والجهد ، ولأننى أكره العمولات والهدايا – عفوا .. أقصد الرشاوى المستترة - ولأننى أكره الفساد والشللية والتعصب والعنصرية والتخلص من المخلصين بوصمهم بتهمة المتخلفين المعقدين أصحاب المشاكل ..
ولأننى لا أحب أن تشوه صورة المسئول المخلص الناجح الواعى بواسطة مساعديه ، ولأننى أتمنى له النجاح لتحقيق أهداف الوطن .. ولا أحب له أن يشارك – دون أن يدرى – فى جرائم الظلم والفساد والاضرار بالصالح العام ، ولأننى لا أحب أن يقف الموقف الصعب أمام الله يوم الحساب حيث يهرب من حوله المساعدين المنافقين الذين وضعوه فى هذا الموقف الصعب ، ولكنهم للأسف سبقوه الى جهنم لاستقباله بحفاوة الدنيا ولكن مع الفارق ..
ولأن كثيرا من القيادات السياسية والزعماء – ونحن نعرف بعضهم – ضاعوا وضاعت بلادهم التى احتلت فى أيام معدودة بسبب المساعدين الفاسدين المنافقين المضللين ، الذين أحاطوه بعكس الحقائق ، حتى استيقظ على الحقيقة المرة .. فكانت الصدمة التى أودت بحياته فجاة ، بعد أن كان فى كامل صحته وحيويته .. ومات ذليلا بالهزيمة ..
وتحضرنى بهذه المناسبة واقعة حقيقية كنت أنا محورها .. فقد أقترح أحد المسئولين ترشيحى لكى أكون مديرا لمكتب أحد المسئولين الكبار لخبرتى فى هذا المجال ، ثم استدعانى هذا المسئول – وكان مساعدا للمسئول الكبير – وأخبرنى بهذا الترشيح ، ثم طلب منى – بأسلوب النصيحة – أن أقوم بوظيفتى دون أن أثير أية آراء أو نصائح فى العمل لهذا المسئول لأنه لا يحب كثرة الكلام .. وكانت المفاجأة بأن أجبته بأننى اذا توليت هذه الأمانة فلن أسمح بأى قرار يبنى على معلومات خاطئة ، ولن أمرر الى المسئول أى موضوعات غامضة ، ولن أسمح لنفسى بأن أرى خطأ فى العمل دون أن أنبه المسئول اليه ..... الخ .
وكانت النتيجة .. أن ذهب هذا المساعد الى المسئول .. وأخبره بأننى لا أصلح لهذا العمل لأننى كذا ، وكذا ، وكذا ..... الى آخر المدى من الصفات التى جعلت المسئول الكبير يضعنى فى القائمة السوداء ، وأتلقى الصفعة تلو الأخرى ، انتقاما من قلة أدبى ... وبجاحتى.
أيها المسئول ، وياكل مسئول .. انتبه .. فأنا والله أحبك ، وأحب لك النجاح من أجل الصالح العام ، وصالح الوطن ، فخذ حذرك من مساعديك الذين يجيدون الكلام المعسول والسمع والطاعة والهرولة خلفك ، هؤلاء الذين سعوا اليك لمصلحتهم فقط ، ولا يؤلمونك بالحقيقة اذا استدعى الأمر ، فهم حريصون على راحتك دائما .. يريدون أن يروك مبتسما سعيدا لا تفكر فى أى شيئ ، فهم يفكرون ويسهرون الليالى بدلا منك ، وأجمل ما يتمنون أن يحملوا الهموم عنك .. اذا سافرت فهم فى صحبتك أو وداعك بالمطار .. واذا عدت ، فهم فى استقبالك للترحيب بك ، واذا ذهبت الى مكان ، فهم أمامك – مثل موتوسيكلات التشريفة – يشقون لك الطريق ، واذا نظرت نحوهم .. جاؤك جريا لسماع توجيهاتك أو طلباتك ، فتقول لهم " شكرا .. مش عاوز حاجة " لأن نظرك وقع عليهم بالصدفة .. وهم دائما يبعدون عنك المرتزقة والهمج والعشوائيون من القوم .. كما يبعدون عنك الذباب ..

ياسيدى وحبيبى المسئول ، المساعد الصالح ليس الذى دخل عليك بلحيته الكثيفة مرتديا ثوب الورع والتقوى ، والله وحده أعلم بقلبه وفعله فى الخفاء .. ولا من جاءك يحمل بعض الأوراق التى اشتراها من الجامعات الغربية وهو فى الحقيقة يسطو على المعلومات من صغار الناس المغمورين ليبيعها لك ، ولا الذى يسمعك أجمل الكلمات التى تسرك وتسعدك وترفعك الى عنان السماء ..
المساعد المخلص .. هو الذى يضع أمامك الحقائق حتى لو كانت مؤلمة ، ويشعرك بأنك تقف دائما على الأرض التى نضع عليها جباهنا خضوعا لله وخشية منه .. هو مرآتك التى ترى فيها نفسك دائما دون رتوش .. المساعد المخلص هو الذى تسعى أنت اليه .. ولا يسعى هو اليك .. الله أشهدك أننى بلغت .. اللهم فأشهد ..

الأربعاء، 7 مايو 2008

أنقذوا لغتنا الجميلة ..


أنقذوا لغتنا الجميلة ...
فى السنوات الأخيرة ، انتشرت ظاهرة غريبة فى مجال العمل ، اذ ظن البعض أن استخدام اللغة الانجليزية فى التعامل فيما بين العرب داخل مؤسسات وهيئات عربية وربما اسلامية ، هو مؤشر على التطور والرقى بصرف النظر عن الكفاءة والخبرة المهنية ، وعندما تسأل هؤلاء المتفرنجون عن الفاتحة والصمدية والمعوذتين ، ينظرون اليك فاغرين أفواههم وكأنك تسألهم عن معادلات فى العلوم النووية ، أو كأنك تحدثهم عن شئ على كوكب المريخ ، بل أن الأمر يصل ببعضهم الى النظر اليك كأنسان متخلف جاء من العصور الوسطى ...
وتذكرنى هذه الظاهرة ببعض السيدات اللائى كن يجلسن فى المناسبات الاجتماعية المختلفة ، مرتديات أفخم الثياب ذات الموديلات الغربية شبه العارية ، واضعات احدى الأرجل فوق الأخرى بمنتهى العظمة ، ممسكات بين أصابعهن بأفخر أنواع السجائر ، وتتحدثن مستخدمات بعض كلمات اللغة الانجليزية أو الفرنسية ، وعندما تتقدم الي احداهن بورقة مدون عليها بعض الكلمات باللغة العربية ، تكتشف أنها من الأميات اللائى لا يعرفن القراءة والكتابة واذا تعمقت فى البحث ، لأكتشفت أنها من أحط الأحياء الشعبية ، وأنها كانت تجلس فى صغرها بجوار والدتها على الرصيف لبيع الحلوى مع الذباب للأطفال ، مهرولة من آن لآخر هربا من حملات شرطة البلدية قبل القبض عليهن .. هؤلاء السيدات كانوا يسمهون " المتحزلقات " .
ويحضرنى فى أحد المرات أن أحد الزملاء فى العمل كتب الى ملاحظة باللغة الانجليزية - وأنا والحمد لله أجيدها - فكتبت اليه ردا باللغة العربية ، وأتبعته بملاحظة رجوته فيها أن يكتب الى فى المرات القادمة مستخدما اللغة العربية وهى لغة القرآن التى يجب أن نفخر ونعتز بها ، وأبديت تساؤلى " لما نتعامل نحن العرب فيما بيننا باللغة الأنجليزية " ؟ فكانت دهشتى البالغة عندما توجه هذا الزميل الى رئيسه المتفرنج مهددا برفع شكوى فيما كتبته الى أعلى المستويات الادارية ، وكأننى ارتكبت جرما .. فما كان منى الا أن ضحكت ، فكما يقولون " شر البلية ما يضحك " .
لا نريد أن ننسى أصولنا العظيمة ، لا نريد أن نكون كمن جاء من أعماق الريف فأرتدى الجينز الأمريكى ، فصار أضحوكة بين الناس ، أو كمن أرتدت آخر موضة من الفساتين التى كانوا يسمونها " الشوال " فأصبحت من ترتديها أسما على مسمى ...
واذا توقفنا أمام هذه الظاهرة ، ونظرنا الى المستقبل الذى ليس ببعيد ، نجد أن لغتنا الجميلة ، لغة القرآن الكريم مهددة بالضعف - ولا قدر الله – ربما بالانقراض لأسباب مظهرية ليس الا ، ولأننا لا نطالب المدارس والجامعات الأجنبية بأن تكون اللغة العربية والعلوم الشرعية مواد اجبارية فى مقرراتهم ، ولأننا لا ندرج اجادة اللغة العربية ضمن بنود الاختبار فى المقابلات المؤهلة للتوظف ، وألا تكون المراسلات الرسمية فى مؤسساتنا وهيئاتنا هى اللغة العربية ، وألا نستخدم اللغة الأجنبية الى فى التخاطب مع الأجانب الذين يجهلون اللغة العربية أو فى المراسلات الدولية مع الشركات والهيئات الأجنبية فقط ...اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، التى نظمنا بها أرقى الأعمال الشعرية والأدبية والتى حصلنا بها على أعلى الجوائز العالمية ، وكرم عليها أدباؤنا فى المحافل الدولية .. أصبح البعض ينفر منها ومن مجيديها ومحترفيها ، تستغيث بأولى الأمر أن ينقذوها من المتحزلقين والمتحزلقات ، الأحياء منهم .. بعد الأموات ..

الثلاثاء، 29 أبريل 2008

سـر الهاربــــــــــة ...


ســر الهـاربة ...

انسابت المياه الصافية فى النهر الهادئ ، تعكس على صفحتها وجه القمر المكتمل الذى أضفى على المياه لونا فضيا رائعا .. يمر بين صفين من الأشجار على شاطئيه ، كأنهم حراس أشداء يقفون ليل نهار يستمتعون بالنظر الى مياهه العذبة .. ويحرسونه لقيمته وضرورته التى خلقها الله نفعا وسرا للحياة ...

وعلى احدى ضفتيه .. كان هناك منزلا صغيرا .. يبدو جميل الشكل بتصميمه الرائع الذى يدل على ذوق صاحبه الفنان .. كان يسبح فى الظلام الا من نافذة واحدة كان ينبعث منها ضوءا خافتا ، يغرى من يراه بحب الاستطلاع ..

كان الهدوء يلف المكان ، فيضفى عليه بما يحيطه من طبيعة جميلة .. هيبة ووقارا .. كرجل وسيم فى منتصف العمر ، أحسن اختيار ملابسه الأنيقة ، وتعطر بأفضل العطور .. ووقف فى صمت ووقار يتأمل جمال النهر وهو ينساب على البساط الأخضر فى رقة ودلال ...

فارس .. هذا هو أسم صاحب المنزل .. أخذ جانبا من قاعة الاستقبال ، التى حوت أثاثا كلاسيكيا جذابا بتصميمه وألوانه ورقة اختياره .. فجلس وحيدا فى أحد الأركان وبجواره مصباحا خافتا على طاولة صغيرة .. عليها منفضة سجائر من الكرستال النادر .. تحوى بعضا من بقايا السجائر التى أطفأها فارس خلال جلسته ذاك المساء ..

جلس فارس مسترخيا على كرسيه الوثير .. وقد أشعل لتوه سيجاره الفاخر يجذب منه نفسا عميقا ، ثم ينفثه فى الهواء .. ويتابع حلقات الدخان وهى تصعد هادئة الى أعلى قبل أن تذوب وتختفى فى سقف القاعة .. وكان قد ترك باب المنزل مفتوحا ليستمتع بالهواء المنعش القادم من النهر القريب ..

انبعثت الموسيقى الهادئة من أحد الأركان التى وضع فيها فارس جهاز تشغيل الاسطوانات التى اختارها بعناية فائقة .. ترتبط معظمها بذكرياته الجميلة التى يحب أن يسترجعها من آن لآخر فى ظل هذا الجو الرومانسى الرائع .. وأخذ يرجع برأسه الى الخلف حتى تستلقى على المسند الوثير العالى .. فيغمض عينيه متمتعا بذكرياته .. وخياله الواسع ، دون أن ينغص عليه وحدته أحد ممن لا يملكون مشاعر الرومانسية الراقية التى كان يعشقها ..

تسللت بخفة الفهود ورشاقة الغزالان عبر مدخل المنزل .. واقتربت من فارس دون أن يشعر .. ثم ألقت عليه تحية المساء ..

فتح فارس عينيه مندهشا من المفاجأة .. فاذا به فجأة أمام ملاك رائع الجمال ، وكأنما هبط عليه من السماء دون تنبيه أو انذار .. لم يصدق عيناه فى بادئ الأمر من المفاجأة .. ولكنه أدرك أنها حقيقة .. فنظر اليها متأملا ، مستفسرا ولكنها كانت على قدر من الزكاء .. ورأت فى عينيه العديد من التساؤلات المتوقعة .. فبادرته بتقديم نفسها اليه باسم وعنوان مستعار ، وأنها تقيم فى مزرعة مجاورة وتعمل لدى احدى الشركات السياحية .. وسألته عن امكانية الاستفادة من خدمات تلك الشركة ..

كان من الواضح أن حب الاستطلاع هو الذى دفعها الى اقتحام دنيا هذا الرجل الغامض .. وربما جذبها بحياته الرومانسية التى تهواها .. دون أن تقصد ، فأقتحمت عليه هدوءه وخلوته .. بهذه الطريقة .. وان كان هذا مجرد احتمالات لم تفصح هى عنها حتى اللحظة ..

لم تكن تتوقع أن يفاجئها فارس بالعديد من الأسئلة عن نفسها وليس عن شركتها أو الخدمات التى تقدمها .. فأرتبكت ، وأرادت أن تعتذر عن الازعاج وتستدير مسرعة بالهرب نحو الباب .. ولكن فارس كان أسرع منها .. فقفذ وراءها ، واستطاع أن يمسك بيدها بعد أن بلغت باب المنزل .. وأبلغها أنه لن يتركها تنصرف قبل أن يعرف الحقيقة ، ولماذا اقتحمت عليه عالمه .. وشرفته بهذه الزيارة الغريبة .. فلما لاحظت اصراره .. وشعرت أنها أصبحت أسيرة بين يديه ، وعدته بأن تكشف عن شخصيتها ، وسبب زيارتها .. فدعاها للدخول الى عالم الرومانسية .. وقبلت الدعوة ...

جلست على الكرسى الوثير بالجانب الآخر من الطاولة التى كان يجلس بجوارها .. وبينهما هذا المصباح الخافت ، يستمعان معا الى الموسيقى الهادئة التى أضفت على جلستهما سحرا خاصا ، لا يتذوقه الا من يعرفه ويعشقه ... سحب سيجارا من العلبة الفاخرة الموضوعة بجواره .. وقدمه اليها .. فمدت أصابعها الرقيقة وتناولته ، ثم أشعل لها السيجار ، فأتاح له ذلك أن يقترب منها ويشم رائحة عطرها الساحر الذى أوحى له بأنه قريب من باب الجنة ...

أفصحت له عن شخصيتها .. ولكن لم تخبره عن سبب الزيارة ، وأرجأت ذلك الى وقت لاحق من هذه الجلسة .. ثم بدأت تتحدث عن نفسها ، فاذا بها تحمل كافة الصفات التى كان يحلم بها دائما ، دون أن ينالها .. ويا لفلسفة القدر ..
كان ذلك دافعا لأن يتحدث عن نفسه أيضا .. فأكتشفا معا أنهما كيان واحد فى جسدين منفصلين ، ولكنهما يحملان نسخة واحدة من المشاعر والأحاسيس والعقل .. بل ويكملان صفات بعضهما بعضا ..

تبادلا الحديث فى العديد من الموضوعات .. وكانا متفقان تماما فى وجهات نظرهما .. ولم يختلفا فى شيئ يذكر ، وكان الحديث بينهما شيقا وممتعا الى أقصى حد .. حتى أنهما لم يتوقفا لحظة واحدة عن الحديث .. بل كان كل منهما يحملق باعجاب فى عيون الآخر ، منبهرا ومستمتعا بحديثه .. راجيا منه الاستمرار ، ومتشوقا أن يصل الى نهاية الحديث دون أن يدرك مراده ..

أحس كل منهما بسعادة غامرة .. وأدركا أنهما كانا يعيشان فى فراغ كبير وفى عالم غير عالمهما .. وكان لكل منهما معاناته ومشاكله .. فكانت هذه الجلسة بمثابة الهروب من ذلك العالم المزعج الى عالم التوحد والانصهار، من عالم الخلاف الى الاتفاق ، من الصراع الى المتعة ، ومن الوحدة القاسية فى العالم المزدحم بالغوغاء الى الصحبة الجميلة الهادئة .. ومن الضياع الى الأمان والاستقرار ، ومنح كل منهما السعادة والراحة النفسية الى الآخر .. وأحسا بأنهما كانا يسيران فى صحراء قاحلة تحت وهج الشمس الحارق .. وفجأة ظهر كل منهما للآخر .. حاملا بيده أبريقا من الرحيق البارد .. فأخذا يرتويان منه بجنون ودون وعى ..

مرت الساعات .. وكأنها لحظات أو دقائق .. كان حلما رائعا يتمنيان ألا يفيقا منه ، وكان كل منهما يشعر بلذة وطعم هذا الشراب الذى أخذ كل منهما يقدمه لأخر ، فينهل منه دون أن يشعر بالارتواء ..

اقترب الفجر .. وشعر فارس بنسيمه العليل الذى يحمل معه عبير الزهور المحيطة بالمنزل .. فأكتمل الجو الرومانسى ، وأراد فارس أن يسجل هذه اللحظات فى داخله .. فأسند رأسه الى الخلف ، وأغلق عيناه ، وكأنه يريد أن يحبس بداخلهما صورة الملاك الجالس بجانبه ، وأن يترك لخياله مزيدا من العنان للاحساس بالمتعة التى شعر بها للمرة الأولى فى حياته ..

وعندما فتح عيناه ملتفتا الى جليسته .. كانت الصدمة ، لم يجدها .. أختفت دون أن يشعر بأنصرافها .. لم يصدق ، التفت حوله كلمجنون باحثا عنها .. ثم استجمع انتباهه ، وقفذ من مكانه يبحث فى أرجاء المكان ، آملا أن يكون اختفاؤها نوعا من المداعبة .. ولكنه لم يجدها .. فخرج مسرعا من المنزل ، فاذا بها فى قارب صغير تعبر به النهر الهادئ الى الضفة الأخرى ، ملوحة له بالوداع .. فظل واقفا مشدوها ينظر اليها .. غير مصدق أنه قد أستيقظ من حلمه بهذه السرعة .. ولا يعرف كيف يستردها بعد أن ظن أنه قد أمتلكها الى ألأبد ..

ظل ينظر اليها غير مصدق .. حتى اختفت فى ظلمات النهر الى الضفة الأخرى .. وتركته حائرا ، مستشعرا الوحدة مرة أخرى ، عاد لآلامه وأحزانه ومعاناته .. انصرفت وبيدها أكسير الحياة قبل أن يصل معها الى حد الارتواء ، فاستسلم للأمر الواقع واستدار عائدا الى منزله يجر قدميه جرا .. ويسير متساقلا حالما بأن يسمع صوتها الرقيق يناديه .. لكنه كان وهما وأملا ضائعا .. ودربا من دروب المستحيل ، فقد هربت منه !!!

وصل الى كرسيه .. والقى بنفسه جالسا فى حالة من اليأس والضياع ، أشعل سيجارا ، وأخذ يجذب الأنفاس منه ويخرجها فى حالة عصبية بالغة .. متسائلا .. لماذا هربت ، هل كان منى مايغضبها ؟ وأخذ يحاسب نفسه ، فلم يجد تفسيرا لذلك .. تصارعت بداخله الأسئلة ، حتى شعر بالتعب والصداع ، فأطفأ سيجاره ، والقى براسه الى الخلف فى حالة من الاعياء الشديد .. بعد أن طاف بصحبتها فى عالم الرومانسية الحالمة .. ثم هربت بسرها دون أن تفصح عن السبب الحقيقى لزيارها .. وفجأة تنهد تنهيدة عميقة ، خرجت من صدره مشتعلة .. وهو يسأل نفسه حائرا ..

لماذا جئت لزيارتى ؟ ثم ذهبت فجأة بلا عودة ؟
مرددا .. منك لله .. وراح فى سبات عميق ..........

الاثنين، 28 أبريل 2008

نداء الى صديق ..


الى صديقى الصحفى المخلص .. الأستاذ / أمير

الذى شجعنى يوما على تجربة القصص القصيرة ..

ووعدنى بتجميعها .. ونشرها ..

وأرسلت له فعلا بعض أعمالى المتواضعة ..

ولظروف الزمن .. والحياة .. فقدت هذه الأعمال ..

وباعد الزمن بينى وبين صديقى .. وفقدت الاتصال به ..

أرجو منه اذا قرأ كلماتى هذه .. وكان مايزال يحتفظ بهذه الأعمال المتواضعة .. أن يرسلها الى على عنوانى التالى :


ولن أنسى له هذا الجميل ..

وله تحياتى .. وليتنى التقى به قريبا .. لأننى أفتقدته فعلا ..

سمو الأميرة


سمو الأميرة ...

كان ياما كان فى سالف العصر والأوان ..
ملك عظيم الجاه والسلطان ..
كان يدعى الملك نعمان ..
وكان الملك يقيم فى قصر حصين محاط بأسوار عالية ..
ولم يكن له من الأولاد سوى بنت واحدة ..
كانت رائعة الجمال ..
عجز عن وصفها الشعراء ..
وعن رسمها أى فنان ..
***

كانت الأميرة تقيم فى جناح خاص من القصر ..
ويسهر على حراستها أقوى الفرسان وأمهرهم ..
وفى يوم من الأيام ..
مرضت الأميرة !!!
وبمرضها .... أوقعت الملك فى الحزن والحيرة ..
فقد كانت تقضى الليل سهرانة ..
تبدو حزينة .. حيرانة ..
تتساقط الدموع على وجنتيها ..
وأصاب الاحمرار والأرق عينيها ..
لا تتكلم مع أحد ..
وليس لحزنها أمد ..
ولا تشكو من ألم أو داء ..
وليس لها فى الدنيا رجاء ..
وامتنعت عن الطعام ..
حتى أضحت لا تقوى على الكلام ..
***

جن جنون الملك .. وأستدعى وزرائه ومستشاريه ..
وطلب منهم أن يجدو له حلا لمرض الأميرة ..
والبحث عن طبيب خبير ..
يحدد الداء .. ويصف الدواء ..
وبدأ البحث عن الطبيب ..
***
قمر الزمان ..

كان هذا أسم الأميرة ..
بعد أن أصدر الملك أوامره للبحث عن الطبيب ..
أخذت المملكة كلها تبحث عن الطبيب حبا فى الأميرة ..
وفى أحد الأطراف النائية من المملكة ..
كان هناك كوخ صغير .. يقطنه رجل مسن ..
له وجه مشرق .. تزينه لحية طويلة بيضاء ، كبياض الثلج ..
لم يكن يملك من الدنيا سوى الحكمة والخبرة وطيب المعشر ..
فذهبوا اليه وسألوه عن طبيب ..
فسألهم عن السبب ..
فقصوا عليه حكاية الأميرة المريضة ..
فأخبرهم بأنه على استعداد لعلاجها ...
***

جمع الطبيب كتبه ، وأعشابه ، وأدواته ..
وذهب معهم الى قصر الملك ..
وما أن مثل أمام الملك حتى سأله :
" هل أنت قادر على علاج الأميرة ؟؟
فأجابه الطبيب الحكيم : بمشيئة الله يامولاى ..
فقال الملك : اذن أنت ضيفى فى هذا القصر ،
ولن تخرج منه الا فى حالتين ..
اما أن تعالج الأميرة .. أو أقطع رأسك ، فتخرج محمولا على محفة الموتى ..
فقال الحكيم الطبيب : توكلت على الله الشافى ..
فقال له الملك : لى شرط آخر .. وهو أن تعالج الأميرة من خلف ساتر ..
فلن تراها ..
فوافق الحكيم على شرط الملك ..
ولكنه طلب منه أن يعطيه الوقت الكافى حتى ينتهى من العلاج ..
فوافق الملك ..
واتفق الحكيم الطبيب على أن يبدأ أولى جلسات العلاج ..
اعتبارا من مساء نفس اليوم ..
***

قام الحرس باصطحاب الطبيب الى جناح الأميرة ..
كانت غرفة الأميرة بالغة الجمال والفخامة والرقة ..
يلفها الهدوء .. وينبعث من أركانها رائحة البخور الرائع ..
وكان يتوسطها فراش يرتفع عن الأرض قليلا .. ليعطيه هيبة وعظمة ..
كان قد أسدل حول الفراش ستارة من الحرير ذات اللون الأرجوانى ..
مطعم بحبات الذهب والماس ..
وظهر من خلف الستائر .. ضوء ضعيف باهت .. لا يظهر أى معالم فى الفراش ..
سوى خيال ضعيف يدل على وجود الأميرة مستلقية فى فراشها ..
وقد وضع بجوار الفراش كرسى وثير .. خصص للطبيب ..
فجلس الطبيب الحكيم .. وطلب اخلاء المكان من الجميع ..
فأطاعوا .. وانصرفوا على الفور ..
كان الجو العام للمكان بهدوئه واضاءته الخافتة يوحى بحرية الخيال ..
وانطلاقه الى اللانهائية ..
وبعد برهة من الصمت .. تحدث الطبيب ..
وكان صوته هادئا رخيما .. متزنا .. مفعما بالحنان ..
وكانت نبرة صوته تحمل كل معان الأمان ، والاطمئنان .. والحب ..
قال :
يا بنيتى .. ها أنا معك وحيدا ..
لا يرانا ولا يشهد علينا الا الله ..
وقد جئت من أجل شيئ واحد فقط ..
هو أن أسمعك .. ولن أقاطعك .. فتحدثى كما تشائين .. وبما تريدين ..
ولن تشعرى بوجودى وكأنك تتحدثين مع نفسك ..
وأعاهدك على أن كل ما يدور هنا .. هو أمانة فى عنقى أمام الله ..
ولن يعلم به انسان سوانا .. حتى لو قطعوا رأسى ..
تحدثى الى نفسك بصوت مسموع ..
ولن أغادر القصر حتى تتحدثى فى كل ما ترغبين ..
ولن أغادر القصر حتى تأذنين لى بالانصراف ..
واعلمى يابنيتى .. أننى عانيت الظلم كثيرا ..
سواء من البشر .. أو من الحياة ..
ولن أرضاه لك .. أو لأى انسان ..
وجلس فى صمت كامل ..
وفى سكون العابد ..
لا يكاد الانسان أن يسمع الا دقات قلب ضعيف ..
قلب الأميرة ..
ودقات قلب ملؤها الحنان والحب .. قلب الطبيب ..
مرت لحظات ..
ثم جاء من الفراش .. صوت رقيق .. رقة الفراشة ..
ناعم .. كنعومة الحرير ..
حلوا .. كأنه عزف الناى الحزين ..
وبرغم ما يعترى الأميرة من ضعف .. ووهن .. وحزن ..
الا أن ذلك لم ينتقص من عذوبة صوتها .. ورقته ..
فكان كعزف ملائكى .. حالم ..
انبعث كنسمات رقيقة .. داعبت أوراق الشجر ..
جاء من بعيد .. وتسلسل فى الظلام ..
فأضفى على المكان جوا من الرومانسية الطاغية ..
وبدأ الكلام ...

بدأت الأميرة فى الحديث .. وكان الطبيب آذانا صاغية ..
لم يقاطعها .. بل لم يشعرها حتى بوجوده ..
لم يمل حديثها ..
شعر بأن هذه الأميرة المحاطة بالجاه والسلطان ، والحرس ، والقصر العالى ..
ماهى الا انسانة .. تحمل قلبا رقيقا .. وحسا مرهفا ..
وعذوبة لا مثيل لها ..
لها مشاعر فنان ، ورقة تفوق الفراشة ،
تتحدث بالمنطق قبل الخيال .. وبالأمل قبل اليأس ..
وبالحب دون الكره .. قلبها كبير رقم صغره ..
لقد أضفت على هذه الجلسة .. جوا من الحنان والعذوبة والشاعرية المطلقة ..

استمرت الجلسات .. ليلة بعد ليلة ..
وأفرغت كل مافى صدرها من شجون وأحاسيس ..
وكانت كلما استطردت الحديث .. شعرت ببعض التحسن النفسى ..
وبدأت تسأل عن الطعام والشراب ..
وبدأ الدم يتدفق فى عروقها ، فبدأت تخرج من فراشها أحيانا ..
وتتحرك فى أنحاء الغرفة من آن لآخر .. بثيابها الفضفاضة .. وألوان جذابة ..
وكأنها فراشة أحسن الخالق تصويرها .. تسر الناظرين ..
رغم الاضاءة الخافتة التى لا تظهر ملامحها الحسناء ..
وشعر الطبيب بتحسن ملحوظ فى نبرات صوتها ..
وميلها الى الكلمات الباسمة أحيانا ..
وانعكس التطور النفسى الذى طرأ عليها بالسعادة والراحة على الطبيب ..
حتى أنه بدأ يتوق متشوقا الى جلساتها .. والاستماع اليها ..

شعر الطبيب بأن جلسات الأميرة أصبحت بالنسبة له ..
كنسمات رقيقة تلفح قلبه العجوز النائم منذ سنوات ..
فتنعشه .. وتعيد اليه شيئ من شبابه ..
وكان قد أحس قبل ذلك أن زمنه قد ولى ..
وأنه أصبح فى نهاية الطريق ..
ولكن قلبه أخذ ينبض بالعاطفة من جديد ..
لقد أحب فيها الأمل ..

ذات مساء .. أخبرته الأميرة أن حديثها قد انتهى ..
فوعدها خيرا .. وأوصاها بألا تتخلى عن الأمل .. فهو سر الحياة ..
وامتدح فيها جميل الصفات ..
فأحست بنبض الحياة من حولها .. وشعرت بفرحة داخلية لا تعرف مصدرها ..

طلب الطبيب مقابلة الملك نعمان .. فحدد له موعدا ..
وكان الملك قد علم ممن يحيطون بالأميرة ، بما طرأ عليها من تحسن طفيف ..
فشجعه ذلك على منح الطبيب فرصته للعلاج ..

وفى الموعد المحدد .. جلس الطبيب الى الملك .. ودار بينهما هذا الحوار ..
* : يا مولاى .. هل تحب ابنتك ؟
* : هى كل حياتى .. هى أغلى من نور عيناى ..
* : هل أنت على استعداد لشراء الدواء الذى يشفيها مهما كان ثمنه ..؟
* : ( دون تردد ) نعم .. ولماذا أحضرتك ..!!
* : دواء ابنتك يامولاى .. أسمه " الفارس مهران " .
* : ( تعجب الملك .. وطلب منه الايضاح " ..
* : الفارس " مهران " .. هو فارس شجاع .. كان يحرس الأميرة ، عندما كانت تخرج للنزهة فى الغابة .. وفى حدائق القصر .. وكان يخاف عليها ويحميها من أى خطر .. ولم تشعر بالخوف لحظة وهى فى صحبته ..
رأت فيه الأميرة مصدرا للأمان .. وفى خوفه عليها .. قمة الحنان ..
ولمست فيه صفات الشهامة والرجولة .. والشجاعة ..
وكان خجولا فى مواجهتها .. ولم يرفع عينيه اليها وهو يحادثها ..
حرصا على مشاعرها الرقيقة .. وحفظا لثقتك فيه ..
وكان أهلا للأمانة التى حفظها ...
فرأت فيه الأميرة فارس أحلامها ..
كان يرعاها .. ويحافظ عليها .. دون يقترب منها أو يسبب لها حرجا ..
رأت فى عينيه مرات قليلة .. وبالمصادفة .. معان جميلة وكثيرة ..
فخفق قلبها بعاطفة جارفة نحوه ..
وأحست بأنه الانسان الذى طالما حلمت به ..
وتمنت أن تكون معه الى الأبد ..

ولكن القدر .. الذى تمثل فى الوزير " نمرود " .. أبى أن يتركهما فى سلام ..
فأمر الوزير .. قائد الحرس .. بنقله الى الفيلق المتقدم على الحدود ..
فى مواجهة الأعداء ..
ليتخلص منه فى أقرب فرصة ..
وشعرت الأميرة بهذا الخطر .. وهذه المكيدة ..
وتخليت الأميرة ما يمكن أن يحدث لو فقدته ..
لقد كان الأمل الوحيد الذى تعيش من أجله ..
انه حلمها الجميل .. الذى أوقظها منه الوزير " نمرود " ..
فأصابها ما أصابها من علة ..
وفقدت الاحساس بقيمة الحياة .. بل وتمنت الموت فى لحظة من اللحظات ..
فأخذت تذبل رويدا رويدا .. كالزهرة التى فقدت الماء والهواء ..
لقد أظلمت الدنيا فى عينيها .. ولم تجرؤ على الحديث فى ذلك مع أحد ..
خوفا من غضب سموك يا صاحب الجلالة ..
وفضلت الموت على الحياة بعيدا عن الانسان الوحيد الذى أحبته ..

قام الملك من مجلسه ..
داعيا مستشاريه ، وحكمائه ..
وطلب منهم التحقق فورا مما سمعه من الطبيب ..
وبعد تقص وبحث .. أبلغوه بصدق ما سمع ..
فأستدعى على الفور الوزير " نمرود " .. وسأله :
· لماذا فعلت ذلك أيها الوزير .. ؟
· حرصا منى على مولاتى الأميرة ، وحفاظا عليها ..
· أما كان من الأجدر بك أن تخبرنى أولا قبل أن تتصرف فى مثل هذا الأمر الذى هو من شأنى وحدى ؟
· صمت الوزير .. مستشعرا عدم رضا الملك عن فعلته ..
· ( استطرد الملك ) : لولا حسن نيتك ، وطول خدمتك معى ، لأمرت بقطع راسك على الفور .. لأنك تسبب فيما أصاب ابنتى الأميرة التى كدت أفقدها بسبب تصرفك .. ولكنى سأعاملك بحكمتى ، وسأكتفى بعزلك من منصبك .. وسأولى من هو أكثر منك حكمة ورحمة ..

أمر الملك باستدعاء الفارس " مهران " ..
وأعلن زواج الأميرة " قمر الزمان " من الفارس الشجاع " مهران " ..
وأمر باقامة الأفراح فى المملكة أربعين ليلة ..
احتفالا بهذا العرس الميمون ..
فعم الفرح المملكة .. وأقيمت الولائم .. ووزعت الهدايا والعطايا ..
وصدحت الموسيقى فى أرجاء القصر أربعين ليلة ..
وانخرط الجميع فى الرقص والغناء .. وغمرتهم السعادة ..
الا واحدا ..

سأل الملك فجأة عن الطبيب ..
لم يكن هناك مع الحاضرين ..
لم يشاركهم الأفراح .. لقد أختفى ...
أمر الملك بالبحث عنه فورا ..
وانتشر الحرس فى كافة أرجاء المملكة للبحث عن الطبيب ..
بحثوا عنه فى كل مكان .. ولم يجدوه ..
فكان لغزا محيرا .. أصاب الجميع بالحيرة ..
وعلمت الأميرة ..
فحزنت حزنا شديدا .. وطلبت من والدها أن يبحث عن الطبيب حتى تكتمل فرحتها
فأصدر الملك أوامره باستمرار البحث .. ورصد مكافأة كبيرة لمن يعثر عليه ..
وأستمر البحث ..

أخذت المملكة كلها تبحث عن الطبيب المختفى ..
تحقيقا لطلب الأميرة .. وأستكمالا لفرحتها ..
وبعد أيام ..
عثر بعض الناس على الطبيب ..
كان يرقد فى كوخ صغير على النهر .. فى طرف المملكة ..
ولكنه كان يطل من بعيد على قصر الأميرة ..
على الجانب الآخر من النهر ..
كان مريضا .. معتلا .. يعانى الضعف من قلة المأكل والمشرب ..
كان شاردا .. حائرا .. لا يرفع ناظريه عن قصر الملك الذى يضم جناح الأميرة ..
متمنيا أن تطل عليه عبر الأفق بوجهها الملائكى .. ولو مرة واحدة قبل أن يموت

ذهب الجميع الى الملك .. وأخبروه بما شاهدوا ..
وقالوا له .. أن الطبيب قد أصابته العدوى من مرض الأميرة ..
لقد كانت له نفس الأعراض ..
وعلمت الأميرة ..
فتألمت كثيرا .. لقد كان سببا فى شفائها من دائها ..
لقد أحست نحوه بالراحة والأمان ..
وكانت تحس بآلام الطبيب .. لأنها عانت منها من قبل ..
كانت الأيام التى قضتها تحكى له من قلبها ، وتشكو له همومها .. قد تركت أثرا حميما فى قلبها .. ولم تكن تعرف ما معنى هذه المشاعر .. أو الى متى .. وما مصيرها ..
ولكنها كانت – بكل تأكيد – تشعر بالراحة البالغة كلما تذكرت تلك الليالى ..
وما دار فيها من حديث ..
كانت تشعر الأميرة .. أن الطبيب قضى الوقت الطويل ساهرا .. منتبها .. من أجل شيئ واحد .. هو علاجها .. والبحث عن سعادتها وراحتها .. دون أن يفكر فى أى مقابل .. سوى أن يرى ابتسامتها الرقيقة .. وقد عادت اليها بعد غياب طويل ..

ياله من شيئ رائع .. ومعان جميلة .. أحست معها الأميرة بالعرفان بالجميل ..
فقررت أن تعالجه .. كما عالجها ..
وأن تقف الى جواره .. حتى يشفى من دائه .. لكى ترد له الجميل ..
فطلبت من والدها أن يأذن لها بزيارة الطبيب العليل فى كوخه الفقير ..
وأحس الملك بمشاعرها النبيلة .. الراقية ..
فأذن لها بما أرادت ..
وطلب من معاونيه أن يذهبوا ويخبروا الطبيب العليل بأن الأميرة قادمة لزيارته بعد أيام قليلة ,,

علم الطبيب بالخبر ..
لم يصدق ما سمعه فى بداية الأمر ..
فبعد أن كان يحلم برؤية طيفها فقط ..
سيراها وجها لوجه .. ويتحدثان معا ..!!
ما أجمل أن يتحقق الحلم .. وأن يصبح حقيقة واقعة ..
وبالرغم من مرضه وضعفه .. الا أنه أحس بأنه عاد شابا من جديد ..
أحس بأن كل شيئ حوله أسبح جميلا ..
أحس بأنه عاد للحياة .. بعد أن شعر بسكرات الموت ..
لقد كان هذا الخبر بالنسبة له .. أكسير الحياة ..
وأخذ يحلم باللقاء المنتظر ..

انطلق بخياله بلا حدود ..
وكان قلبه يدق بصوت عال .. حتى كاد يسمعه ..
وبرغم كبر سنه .. وطول خبرته .. وتجاربه ،
كان يحمل نفس الأحاسيس التى يشعر بها الانسان عندما يلتقى بحبيبته للمرة الأولى فى حياته ..
تداخلت المشاعر ، تدافعت العواطف .. وتزايدت الانفعالات ..
حتى أصبح لا يعرف ماذا سيفعل عندما تقع عينه عليها للوهلة الأولى ..
وأصبح يخشى الارتباك ، وأن تفضحه عيونه ..
فتنال من وقاره .. وكبريائه .. وأحس بالخوف من الشعور بالضعف أمام عيونها .
وتمنى أشياء كثيرة .. وحلق به الخيال الى آفاق بعيدة ..
وظل يحلم .. ويحلم
يالها من أحلام جميلة ..

جاء الموعد ....
وتحركت الأميرة بموكبها وحراسها ، الى كوخ الطبيب ..
حتى اذا وصلت اليه ،
نادته برقة وحنان .. " أين أنت ياطبيبى العزيز ؟؟ "
فنهض من فراشه .. وفتح الباب .. ونظر الى الأميرة ..
آه ه ه ه ه ه ه ..آهة مكتومة خرجت من صدره ملتهبة بنار الشوق اليها ..
لم يصدق الطبيب عيناه ..
كانت كما تخيلها .. ملاك من السماء ..
الرقة فى أسمى معانيها ..
الوجه الذى يجسد الجمال ، والبراءة ، والرقة .. ..
العيون الصافية العميقة .. التى يحار الانسان فى قراءة ما تحويه من معان عندما ينظر اليها ..
كانت مثل لوحة فنية ، أبدع الفنان فى رسمها ..
تنبض بالحيوية ، والدفئ .. والحب ..
وعندما يراها من يتزوق الفن .. لا يملك الا أن يقف مشدوها صامتا .. خاشعا ، حالما متأملا فى معبد الجمال ..

لم يفق من خياله الا بعد أن بادرته الأميرة بسؤالها :
" مابك ياطبيبى العزيز ؟ "
فجال بنظره حولها ..
الخادمات والحراس .. والمرافقين للموكب ..
سلاسل وأصفاد قاسية تكبل مشاعره ، وتقيد لسانه ..
ولكنهم لم يكبلوا عيناه .. أو خياله ..
فأحتضنها بعيناه ..
وأختطفها بخياله من بين كل هؤلاء .. وطار بها فوق السحاب ..
فأحست هى فى نفس اللحظة برجفة هزت جسدها الرقيق ..
وتغلغلت نظراته فى أعماقها ..
فقد كانت تنظر الى عينيه .. وقرأت ما بهما ..

أفاق مرة أخرى على صوت أجش أرتعدت له فرائصه ..
" لماذا لا ترد على سمو الأميرة ؟؟ " .. كان قائد الحرس ..
فأحس الطبيب وكأن عزرائيل قد جزبه بعنف الى الخلف بعد دخل الجنة ..
ليخرجه الى الدنيا مرة أخرى ..
فقال الطبيب : " معذرة ياسمو الأميرة " .. ان سعادتى بحضورك الى هذا المكان المتواضع ، جعلنى عاجزا عن التعبير .. لكننى مدين بكرمك فى تشريفى بهذه الزيارة ..
فسألته الأميرة : " مما تعانى أيها العزيز ؟؟ "
فنظر اليها .. ولم يجب ..
ولكنها أحست بأنه يعانى من نفس الأعراض التى كانت تعانى منها سابقا ..
فأخبرته بأنها لن تنسى ماقدمه لها فى محنتها ..
وأنها لن تتخلى عنه .. بل ستبذل ما تستطيع لمساعدته على الخروج من محنته .
وأنصرفت ..

ذهبت الأميرة الى والدها ..
وشرحت له حالة الطبيب ..
وقالت له : " يا أبى .. كيف نرد لهذا الطبيب ما قدمه لنا من جميل ؟؟ "
وتشاورا معا ..
ثم أصدر الملك أمرا ببناء منزل جميل من أفخر أنواع الأخشاب فى جانب جميل من حديقة القصر .. بحيث يكون مقابلا لجناح الأميرة ..
وأمر باحاطته بالاشجار والزهور الجميلة النادرة .. وأشجار الفاكهة ..
وطلب بأن يكون كل شيئ داخل هذا المنزل وخارجه ينم عن الجمال والفن ..
وتجهيز المنزل بأفخر الأثاث .. لتوفير الراحة التى يستحقها هذا الرجل الطيب ..
ثم طلب من قائد الحرس الذهاب فى موكب جميل ، لاحضار الطبيب ليسكن هذا المنزل ..
وعندما حضر الطبيب .. توجه الى الملك ليعبر عن شكره وامتنانه لما قدم له ..
فقال له الملك : " لقد قدمت لى جميلا لن أنساه .. لقد أعدت البسمة والفرحة لى ولأبنتى .. وجمعت شمل حبيبان ، وهذا عمل انسانى عظيم .. لقد كنت سببا فى الأفراح والسعادة والخير الذى عم المملكة كلها ..
وهذا البيت .. هو أقل ما يمكن أن نقدمه لك حتى تكون قريبا من الأميرة ..
فلا تبخل عليها بالنصح ..
وستحتاج الى حكمتك دائما ..
وأنا لا أجد أفضل منك لأثق فيه ، ليرعاها .. ويعتنى بها ..
وهى من اليوم أمانة بين يديك ..
فشكره الطبيب على ثقته وكرمه ، ووعده بأن يكون أهلا لثقته .. وأن يصون أمانته ..

وفى صباح اليوم التالى ..
نزلت الأميرة الى حديقة القصر تتهادى كالفراشة بين الأشجار والزهور ..
لتنعم بجمال الطبيعة .. وسحرها ..
وعندما وصلت الى منزل الطبيب ..
وجدت أنه قام بحفر بعض أبيات من الشعر على باب المنزل ..

غناء البلبل يوقظنى ..
ونسيم الصبح يداعب أوراق الشجر ..
وخيوط الشمس تغازلنى ..
وعبير الزهر يغمرنى .. فيطول العمر ..
وخرير الماء يدغدغنى ..
واللون الأخضر من حولى ينسينى سنوات الفقر ..
وملاك الحب ينادينى ..
ونداء الأمل يشفينى من داء السحر ..
ورقة قلب تحيينى ..
ونظرة عين تروينى ..
وصباح الخير .. تكفينى ..

فابتسمت الأميرة .. وقالت : " صباح الخير ياطبيبى "
فنظر اليها الطبيب من النافذة مبتسما وقال :
صباح الورد يا................................. " سمو الأميرة "

الأربعاء، 16 أبريل 2008

شباب قطر


سؤال الى الشباب القطرى ...

هذا السؤال من أب الى أبنائه .. هذا ما أشعر به فعلا .. وهذا ما أتعامل به مع أولادى كصديق يخاطب العقل ، ولا أطلب من أولادى الاجابة الا بعد اعمال العقل والتفكير المتأنى والعميق .. كل ما أطلبه منهم ، أن تكون أفعالهم أو مواقفهم وفقا لقناعاتهم .. وأن تكون الاجابة فعلا ، لا قولا واذا كانت أعمالنا وتصرفاتنا نابعة عن قناعة وايمان .. كان الله راعينا ، والنجاح حليفنا ..
وحتى يكون سؤالى سهلا ومفهوما ، سأفترض صورتين عمليتين من الواقع .. قبل أن أوجه سؤالى .. حتى أعطى الفرصة لكل شاب قطرى أن يشعر ويحس ويتعايش مع السؤال قبل التفكير فيه .. بل وقبل الاجابة عليه ..
فلو أننا أمام أسرتين من أب وأم وأولاد ، انشغل رب الاسرة الأولى بعمله وسفره على حساب الاهتمام بأولاده ، بل ولم يعر اهتماما لتعليمهم ورعايتهم الصحية ، حتى انتهى بهم الحال بعد سنوات الى الاحساس بالضعف وعدم الولاء للوالدين والأسرة ، وانطلق كل منهم الى لعبه ولهوه مع أصدقائه .. وتركوا لرغباتهم العنان غير عابئين بسنوات العمر التى تجرى بسرعة بالغة .. حتى جلس الأب يوما ما وحيدا فى مجلسه .. يأتيه أصدقاؤه سائلين عن أولاده الرجال .. وأين هم من حوله .. أين ثمرة عمره .. فلم تكن لديه اجابة سوى النظر الى الأرض هاربا بوجه من سؤال أصدقائه ، تعتصره الحسرة على مافات ، وما وصل اليه أولاده ..
والأسرة الثانية .. قام رب الأسرة برعاية أولاده خير رعاية .. فأهتم بهم صحيا وعلميا ، وزرع فيهم القيم والأخلاق ، ووفر لهم فرصة التعليم فى أرقى المدارس والجامعات ، بل وأتاح لهم فرصة السفر الى الخارج لاستكمال التعليم العالى والبحوث العلمية .. ووفر لهم الحماية والأمن والأمان ، ولبى كل طلباتهم .. سهر الليالى من أجلهم ، وكان حلمه أن يراهم فى أرقى الوظائف وأعلى الدرجات ، وكانوا هم على قدر المسئولية فحققوا له ما تمنى .. فعادت عليهم الفائدة أولا .. ثم شرفوا والدهم ووالدتهم .. وكانوا فخرا لهما بين أصدقائهما ، فهذا ابنى ضابط كبير ، وهذه ابنتى طبيبة ، وابننا الآخر قاض كبير ، وابننا الأصغر حصل على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف من جامعة كذا بأمريكا .. وهذه صورته وهو يمنح درجة الدكتوراه .. هل ترون كم كان جميلا .. انه ابننا .. وجلس رب العائلة فى مجلسه وبين أصدقاؤه وجيرانه يفخر بأولاده الجالسون من حوله .. وهم يدخلون على مجلسه واحدا تلو الآخر يقبلون يده فى تواضع وحب وتقدير .. معترفين بفضله وجميله .. فكان هو فى قمة سعادته .
هكذا تماما رب عائلتنا الكبيرة قطر .. سمو الأمير ، وسمو الشيخة الفاضلة حرمه المصون لم يبخلا على أبنائهما بكل شيئ وبأي شيئ .. الصحة ، التعليم ، حتى الجامعات الأجنبية أحضروها الى قطر حماية لأبنائهم وبناتهم من الغربة ومخاطرها .. استقدما أكبر العلماء من كافة أنحاء العالم ووفروا لهم كل السبل لنقل خبراتهم الى أبنائهم من الشباب القطرى .. الرياضة العالمية بكل فروعها .. الاعلام الراقى كمصدر هام للثقافة .. وفرا الأمن والأمان ، شاركا أبنائهما وبناتهما فى كل مناسبة تشجيعا لهم ، منحوهم الجوائز والمكافآت لتكون حافزا للآخرين .. والكثير الكثير من الحب والحنان فى أسمى صوره ..
فهل نستكثر عليهما الفرح والسعادة والفخر بكم ؟؟ هل نحرمهما من جنى ثمرة تعبهما وسهرهما وحبهما لكم ..؟؟ أليس من حقهما أن يفخرا بكم على المستويين المحلى والدولى بين شباب الدول المجاورة .. وشباب العالم ؟؟ أليس من واجبنا ياشباب اليوم وأمل المستقبل أن نحمل معهم مسئولية بناء بلدنا ونهضتها ، ووضعها فى المكانة المرموقة ..؟؟
لا أنتظر منكم اجابة على أسئلتى .. أنتظر منكم عملا نابعا عن قناعة لا حدود لها بأن قطر سترتقى بسواعد أبنائها من الشباب الأقوياء المخلصين ..

التواصل مع الشباب ...


كيف نقيم جسرا للتواصل مع الشباب ...


مما لاشك فيه .. أننا عندما نطرح مشروعا قوميا لفائدة بلدنا الحبيب .. يجب ان نفكر دائما فى كيفية دعم هذا المشروع ، ومتابعته ، وتقييمه من آن لآخر ، ومن ثم ازالة ما قد تعترضه من صعوبات ، وحل ما تعتريه من مشاكل ..
ولن يكون ذلك ممكنا الا من خلال اقامة جسر للتواصل مع أصحاب هذا المشروع القومى ، فتكون هناك المعلومة الواضحة والفورية التى على أساسها يتم التقييم والتطوير واتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب .
والمشروع الذى أعنيه هنا .. هو الحملة المباركة من القائمين على الدولة لتقطير الوظائف بدعم مبارك من سمو الأمير المفدى .. حفظه الله .
ومن خلال معاملاتى اليومية مع أبنائى من الشباب القطرى لمست عدم وضوح الرؤية بالنسبة لجهة المراجعة فى حالة رغبتهم فى الحصول على الدعم النفسى والمعنوى ، أو حل ما قد تصادفهم من مشاكل ، أو تعرضهم لأية مضايقات أو اهمال فى التعليم والتدريب ممن يحيطون بهم .. فمنهم من قال أنه يرجع الى ادارة الموارد البشرية بالجهة التى يعمل بها ، والآخر قال أنه يراجع أكبر مسئول قطرى فى المؤسسة ، بينما يلتزم البعض الآخر بالصمت رغبة منه فى تجنب الدخول فى مشاكل مع زملائه أو رؤسائه .. ولكنه فى نفس الوقت يبحث عن مكان بديل .. أى الهروب .. وهذا أضعف الايمان ..
ومن هنا .. كان اقتراحى بتخصيص برنامج أسبوعى تحت مسمى " مع الشباب " مثلا وتكون مدته – فى بادئ الأمر - نصف ساعة على الأقل على قناة قطر الفضائية يتناول الفقرات الآتية :
· استضافة بعض علماء الدين لبيان دور الشباب وما يجب عليهم فى خدمة وطنهم بالعلم والعمل ، والمراجع الدينية التى تحث على ذلك .
· استضافة علماء النفس والادارة لابداء النصح والارشاد لانجاح تجربة التقطير ، والتغلب على معوقاتها وصعوباتها .
· استضافة النماذج الناجحة والمشرفة من الشباب القطرى ، ليعرضوا بأنفسهم تجاربهم الناجحة ، وكيفية التغلب على ما صادفهم من مشاكل .
· تلقى رسائل الشباب حول مشاكلهم ، وآرائهم ، ومقترحاتهم ، واستفساراتهم فى هذا المجال
· عرض التجارب الناجحة دوليا وأقليميا فى مجال توطين الوظائف أو نهضة أوطانهم .
مختصر القول ، بأنه لابد من وجود حملة اعلامية ، ونافذة للحوار مع الشباب ، ومتنفسا لهم لعرض ما يدور بعقولهم ليكون مرشدا لنا فى تطوير التجربة وانجاحها بأذن الله .

تقطير الوظائف - الجزء الثانى

تقطير الوظائف بين الاحصاء والواقع .. ( الجزء الثانى )

ما أن تم نشر الجزء الأول من مقالى حول هذا الموضوع ، حتى تلقيت بعض الآراء المرتجفة والتحذيرات من رد الفعل على ما كتبت ، لأننى كما يقولون أدخلت نفسى فى حقل من الألغام أو الأشواك .. خوفا من احتمال أن يكون هناك من سيفهم كلامى – عن غير قصد – من زاوية غير صحيحة ..

وكان ردى عليهم ، بأننا نعيش اليوم فى قطر عصرا من الشفافية والحب ، مع اناس يؤمنون بالكلمة الصادقة ، ويحبون كلمة الحق ، يقدمون فى مشاعرهم حسن النية دون غيرها ، وينظرون الى أمور وطنهم بعين العقل والحكمة .. وفى هذا المناخ الصحى ، لا مجال للخوف .. لا سيما اذا كان الهدف هو الصالح العام ..

عودة الى موضوعنا .. حول الأسس العلمية الواجب مراعاتها لانجاح تجربة التقطير ، لضمان جنى ثمارها لصالح الوطن والمواطن ، ويجب أن نسلم جميعا بمبدأ أنه لا يوجد من يفوق حبه لقطر سوى المواطن القطرى الذى يحلم بأن تكون قطر أعظم دولة فى العالم ..

وفى اعتقادى ، أن مشروع التقطير يجب أن يسير وفقا لخطة طويلة الأجل ، وأخرى قصيرة الأجل ، فعلى المدى البعيد .. يجب أن تتضمن مقررات التعليم بالمدارس الأولية ، بل وفى كافة المراحل المواد التى تنمى فى الطالب أهمية الشعور بالانتماء الذى يؤكده العمل الايجابى ، والفخر بالعمل لبناء الوطن ، وشرح أساليب المساهمة فى هذا البناء فى كافة المجالات ، مع دراسة التجارب الناجحة فى البلاد الأخرى وما حققته من نتائج ، وأن يكون التركيز على مبدأ شرف العمل لخدمة الوطن ، وأنه مامن انسان سيبنى الوطن أفضل من أبنائه .. وأن تهتم الادارات المشرفة على التعليم برصد الجوائز وشهادات التقدير للأعمال الفنية والثقافية التى تجسد وترسخ هذه المفاهيم ، وأن تشجع الطلبة على اعداد أبحاثهم فى هذا المجال ، حتى لو تطلب الأمر منح درجات اضافية على المجاميع فى الشهادات العامة لمن يبرز دورهم من الطلبة فى هذا المجال عن ايمان وجدارة ..

وعلى المدى القريب ، أى فى الوقت الحالى .. فقد لاحظنا أن الدولة قامت من جانبها بانشاء مركزا متخصصا لتدريب وتأهيل الكوادر القطرية للعمل .. وبالرغم من أهمية هذا المشروع الناجح والمبادرة العلمية من جانب الدولة .. الا أن مواد التدريس فى هذا المركز تغطى الأساسيات والعموميات دون تفاصيل التخصصات المختلفة ، وهذا أمر طبيعى ، فالهدف هو وضع القاعدة الأساسية للعمل ، وترك اختيار مجال العمل للمتدرب وللفرص المتاحة ..

واستكمالا لمبادرة الدولة فى مجال التدريب .. فاننى أرى ضرورة تضافر جهود المؤسسات والهيئات المختلفة باتخاذ الخطوة المقابلة ، وذلك بالتزام كل مؤسسة أو هيئة أو وزارة بانشاء مركزا للتدريب ، يقوم عليه أصحاب الخبرة ، واختيار أصحاب الخبرة من المدربين القادرين على نقل معلوماتهم وخبراتهم بأسلوب ميسر وبسيط ومتخصص الى أبنائنا القطريين ، وبأدق التفاصيل لتجهيزهم للمستوى المهنى النهائى للقيام بواجباتهم داخل كل مؤسسة .

ومن الجدير بالذكر .. أن هذه المراكز ستكون مطالبة فى نهاية كل دورة – الى جانب التقييم العلمى لكل متدرب – بأن تبدى توصياتها حيال أفضل المواقع التى يمكن أن يعمل بها المتدرب داخل المؤسسة وفقا لقدراته وميوله الشخصية .. لأن هذا المعيار من أهم عوامل النجاح فى العمل ، وهذه التوصية تعد أحد المهارات الواجب توافرها فى المدرب المختار .

وعلى صعيد الاعلام .. يجب أن تكون هناك برامج تليفزيونية واذاعية موجهة من المتخصصين لابراز التجارب الناجحة لهؤلاء الشباب واعتبارهم مثلا يحتذى للآخرين ، وطرح ما قد يصادف البعض من مشاكل ومعوقات فى التجربة ، ومتابعة حل هذه المشاكل مع الجهات المسئولة ، وعدم ترك الشباب يصارعون الأمواج العاتية دون داعم ومعين .. ثم يتهمهم البعض بالتقصير والفشل .. دون أن نأخذ فى الاعتبار ظروفهم المحيطة .

ولا يجب أن نغفل جانبا هاما من التجربة ، فهؤلاء الشباب فى بداية حياتهتم لهم من المسئوليات والطموحات المهنية والاجتماعية ما هو مشروع وضرورى .. فمثلا الجانب المادى .. يجب ألا يترك لكل مؤسسة الحرية فى تحديد الحد الأدنى للراتب والبدلات ، فتكون صدمة لبعض الشباب أن المقررات المالية للوظيفة لا تتناسب مع احتياجاته الضرورية والأساسية ، فيكون ذلك سببا فى هجرة موقعه الى موقع آخر أفضل ماديا .. ويظل الشاب طائرا بين المؤسسات المختلفة دون أن يعمق خبرته ، ويحدد تخصصه .. أى نفتقد الى عنصر الاستمرارية لفائدة الشاب والمؤسسة فى آن واحد .

وفى هذا الاطار يجب أن نفكر بشكل أو بآخر فى وضع معايير موحدة لكل مؤهل علمى وتخصص مع سنوات الخبرة .. خاصة بالنسبة للمؤسسات الكبرى التى لديها القدرة المالية على الأخذ بهذه المعايير .. مع وجوب التزام المؤسسات بذلك باعتباره واجبا قوميا .

وعلى الجانب الآخر .. لا يجب أن نترك للشاب حرية التنقل بين المؤسسات والهيئات التى نال فيها قسطا من التدريب النظرى والعملى ، وبات من حق المؤسسة أن تجنى ثمار جهدها فى الاستفادة من عمل هذا المواطن .. بدلا من تدريبه وتأهيله لشغل وظيفة ما ، واكسابه المهارة والخبرة فى تخصصه .. ثم تفاجأ بأنه غادرها بعد أشهر قليلة الى موقع آخر .. فتبدأ المؤسسة من نقطة الصفر مع متدرب آخر وهكذا .. ولعلى أطرح هذه القضية على المسئولين الذين هم أدرى منى بالصالح العام بحكم مواقعهم الرسمية .. كيف نضع حدا أدنى لفترة عمل المواطن الذى تم تدريبه لدى أحد المؤسسات المتخصصة ، كأن تكون ثلاث الى خمس سنوات مثلا .. حتى تبذل المؤسسة قصارى جهدها فى تعليم وتدريب موظفها القطرى ، لأنها ستطمئن الى استمراره معها لفترة مناسبة ، وأنها لن تكون معبرا الى مؤسسة أخرى ..

ان وضع أهداف محددة بنسب لتوطين الوظائف ، ومتابعة التزام المؤسسات والهيئات بهذه النسب شيئا هاما وضروريا .. ويجب أن يحترمه الجميع .. ولكن يجب علينا فى نفس الوقت أن نهتم بنفس القدر من الاهتمام بنجاح التجربة وتحقيق اهدافها فى بناء وطننا الحبيب .

ربما يكون هناك جزءا ثالثا لهذه السلسلة من المقالات ، تدور حول التجارب الناجحة لتوطين الوظائف ، وبعض التجارب فى البلدان الأخرى ونتائجها ، اذا ما لاقيت قبولا لهذه الفكرة من أولى الأمر ..... وعلى الله التوفيق ..

تقطير الوظائف

تقطير الوظائف بين الاحصاء والواقع ..

الاهتمام بتوفير فرص العمل للشباب القطرى فى مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة أمر طبيعى ومنطقى فى ظل ارتفاع عدد الخريجين والخريجات من شباب الوطن كل عام ، وربما تزايد عدد الباحثين عن العمل فى وطن أنعم الله عليه بالخير الذى ينعم به عدد لا يستهان به من الجنسيات الأجنبية والعربية ، ومن الأولى أن يذهب الخير لأهله ..

ولا يعنى هذا نكران الدور الهام الذى لعبه هؤلاء الأجانب فى بناء قطر الحديثة ، لاسيما فى مستهل حركة البناء والتطور التى شهدتها سنوات ما بعد الاستقلال .. ولكن أن يستمر الاعتماد على الخبرة الأجنبية على نطاق واسع الى ما لانهاية .. أمر يستحق وقفة ..

وفى اطار الحملة القومية المباركة التى أطلق اشارتها سمو الأمير المفدى حفظه الله لمنح فرص العمل لأبناء الوطن فى كافة المجالات ، انتاب البعض مشاعر الأمل والسعادة .. بينما انتاب البعض الآخر مشاعر القلق والخوف على مستقبلهم فى مواقع عملهم من مزاحمة الشباب القطرى لهم فى أرزاقهم ، ونسو أن الرزق بيد الله ، وأن أمانة المهنة فى كل موقع تستوجب أن يسلم كل واحد منا موقعه لواحد من أبناء الوطن كحق طبيعى يجب أن نعترف به .. وأن نكون مخلصين أمام الله فى نقل خبراتنا بأمانة لهؤلاء الشباب ، وأن نؤمن بأن هو أقل ما يجب أن نعبر به عن عرفاننا بجميل هذا البلد الطيب الذى فتح لنا زراعيه بالحب والرعاية والأمن على مدى سنوات وسنوات ..

وفى هذا الاطار أيضا تباينت وتعددت الاتجاهات والآراء بين صوت عال يؤيد ، وصوت هادئ ينبه ويوجه ، وصوت هامس يحذر ويستنكر .. ولكل أهدافه ومصالح الخاصة .. ونسينا أن نثرى التجربة بالنصح والعقلانية والتوجيه العلمى لضمان نجاح هذه الحملة ، فليس كافيا لاسعادنا أن نفرح بتزايد عدد من يتم تعيينهم يوميا من الشباب القطرى ، وأن نستعرض الاحصائيات التى نعتبرها مؤشرا للنجاح .. بقدر ما يتعين علينا أن نكون أكثر سعادة بنجاح هؤلاء الشباب فى مواقعهم ، واسهامهم فعليا فى بناء الوطن الحبيب .
وقد يسأل البعض بنظرات الاستفهام عما أقصده بهذه الكلمات .. وهل أنا ممن يشجع أو يشكك أو يعرقل المسيرة أو يحاول القاء سحابة من الخوف على التجربة .. أو أنها مجرد فلسفة لا طائل منها ..

اليس من واجبى كانسان عاش مع اسرته فى هذا البلد الكريم المضياف خمسة وعشرين عاما ، خدم فيها باخلاص وحب ابتغاء مرضاة الله ، ولد أبناء على أرضه الطيبة ، وتعلموا فى مدارسه ، وتخرجوا من الجامعة ، ونمت فيهم الاحاسيس الصادقة بأنهم أبناء هذا البلد فعلا .. فكان ينتابهم الحنين للعودة بعد اسبوع واحد فقط من قضاء أجازتهم السنوية فى وطنهم الذين ينتمون اليه .. قائلين " خلاص يابابا زهقنا .. عاوزين نرجع بلدنا قطر " وأقسم بالله على ذلك ..

اليس من واجبى ، أن أضع خبرتى المهنية على مدى أربعين عاما ، وثقافتى وعلمى ودراساتى الحرة والأكاديمية فى خدمة هذا الوطن عرفانا منى بالجميل .. لا سيما وأننى تجاوزت الستين من عمرى ، واقتربت من لحظة الوداع الصعب لهذا الشعب الطيب الذى أحبنى وأحببته على مدى ربع قرن من الزمان .

ولن أدعى أننى أفكر فيما لم يفكر فيه غيرى .. أو أننى عالما بما لايعلمه الآخرين .. أو أن رأيئ هو عين الصواب .. فالمخلصين كثيرين .. ومن هم أكثر منى علما وخبرة أكثر وأكثر .. ولكننى أريد ببساطة أن أعبر عن مشاعرى بابداء النصح من خلال خبرتى العملية ، ومشاهداتى فى مواقع العمل لتجربة تقطير الوظائف وما يعتريها من صعوبات ونجاح .. وفشل فى بعض الحالات ..

وسوف أوجز وجهة نظرى فى بعض الأسئلة التى سأطرحها فى الأسطر التالية ، والتى ستكون منطلقا لابداء وجهة نظرى لانجاح تجربة تقطير الوظائف ، وجنى ثمارها لصالح الشباب والوطن فى آن واحد :

· هل من الحكمة أن نفكر فى تجربة التقطير كما بالاحصائيات ، أم عمليا بنجاح التجربة عن طريق المتابعة ؟
· هل من الصواب أن نقوم بتعيين الشباب فى مجال عمل معين يحتاج لاعداد مهنى يمثل قاعدة للانطلاق فى العمل على أسس علمية سليمة ، دون تجهيزهم لذلك ؟
· ما هى وسائل تجهيز الشباب مهنيا لكل مجال من المجالات ، وهل يقع ذلك عاتق الدولة أم مؤسسات العمل المختلفة ذاتها ؟
· هل هناك من حل لالتحاق الشاب بالعمل لفترة زمنية ربما كانت كافية أو غير كافية لاتقان تخصصه قبل أن يترك عمله فجأة للعمل لدى جهة أخرى ربما كانت استمرارا لنفس التخصص أو تخصص مختلف تماما .. لمجرد الحصول على دخل وامتيازات أكبر ؟
· هل ينبغى أن تكون هناك ضوابط معينة لضمان استمرار الشاب القطرى فى تخصصه للوصول الى القدر المناسب لمنفعة الدولة ؟
· كيف نتأكد من أن ثقافة العمل لدى الشباب القطرى فى الوقت الحالى كافية لنجاحه ؟

واجب الشباب ...


عزة الوطن .. باجتهاد أبنائه
أهدى هذه القصة – التى كنت أحد أبطالها – الى كل شاب قطرى ، كتجربة واقعية تثبت أن عزة الوطن لا تتحقق الا باخلاص واجتهاد أبنائه .. وأنا أثق أن أبناء هذا الوطن قادرون على رفع رايته واعلاء شأنه بأذن الله ...
قامت جمهورية مصر العربية بانشاء أول دار لطباعة النقد بالشرق الأوسط ، والثانية على مستوى القارة الأفريقية بعد مثيلتها بجنوب أفريقيا فى أوائل الستينات .. وتعاقدت على ذلك مع أحدى الشركات الكبرى المتخصصة فى المانيا الغربية ، وقام البنك المركزى المصرى بتعيين نخبة من أوائل دفعاتهم بالكليات الفنية كالفنون التطبيقية والفنون الجميلة بالاضافة الى عدد من أصحاب الخبرة فى مجال الطباعة السرية ذات القيمة ، ثم أوفدتهم جميعا الى المانيا الغربية للتدريب العملى لمدة ستة أشهر ..
تطلب المشروع فى بدايته الاستعانة بأثنى عشر خبيرا فنيا من المانيا فى مختلف التخصصات الأساسية لضمان نجاح المشروع ، تحت اشراف كبير خبراء بدرجة مدير عام الشئوون الفنية وقامت ادارة البنك من جانبها بتعيين فنى مصرى مرافق لكل خبير أجنبى لمعاونته فى العمل ، وبدأ الانتاج الفعلى عام 1966 ، حيث تم تسليم الدفعة الأولى من الانتاج فى فبراير عام 1967
وفى شهر يونيو من نفس العام ، قامت اسرائيل بعدوانها الغادر على مصر وبعض الدول العربية المجاورة لها ، وما ان بدأت الحرب ، حتى قرر الخبراء الألمان مغادرة مصر فورا خوفا على أرواحهم ، وهربا بحياتهم .. وفعلا غادروا مصر الى المانيا .
وعلى الفور عقدت ادارة البنك اجتماعا عاجلا مع مساعدى هؤلاء الخبراء من الفنيين المصريين الذين أكدوا على استعدادهم لتحمل مسئولية استمرار العمل بنفس الكفاءة ، بل تطور الأمر بعد ذلك الى قيامهم بتطوير بعض أساليب العمل لزيادة الانتاج وخفض التكلفة دون أن يؤثر ذلك على جودة ودقة الانتاج .
وما أن انتهت الحرب وصدر قرار مجلس الأمن بوقف اطلاق النار ، حتى عاد الخبراء الألمان لاستلام عملهم .. الا أن ادارة البنك أبلغتهم بالاستغناء عن خدماتهم ، وطلبت منهم الرحيل مشكورين بعد أن صرفت لهم مكافات مناسبة ، ومنحتهم كتب شكر على ما قدموه من جهد وخبرة لاخوانهم المصريين ، وكان هذا الموقف مفاجأة لهم ، حيث توقعوا أن يتوقف العمل فور مغادرتهم .. فطلبوا من الادارة أن يقوموا بالمرور على كافة الأقسام ليطمئوا الى سلامة العمل قبل رحيلهم .. فوافقت الادارة ، وكانت المفاجأة أن معاونيهم من أبناء مصر وشبابها ، أثبتوا أنهم على مستوى المسئولية ، وأنهم لا يقلون عنهم كفاءة رغم قصر مدة الانتاج الفعلى قبل رحيلهم .
ان حكومة قطر الرشيدة .. وفرت كافة الامكانيات الصحية والخدمية والعلمية ، واستقدمت أفضل الكفاءات فى كافة المجالات ومن كافة أنحاء العالم لنقل خبراتهم لشبابها وأتاحت لهم فرص العمل فى كافة المواقع لتكون تجربة وممارسة عملية لهم ، يشقون طريقهم بما نالوه من علم ورعاية حتى يثبتوا أنهم لا يقلون عن غيرهم عقلا ووعيا وثقافة وعلما وكفاءة ، وأن يقبلوا التحدى بتحمل المسئولية تجاه وطنهم الحبيب ، وانهم لفاعلون بأذن الله .