الثلاثاء، 23 سبتمبر 2008


عشماوى .. يسلى صيامه !!
( قصة واقعية ) من الحياة ..
عشماوى .. هو ذلك الرجل صاحب الجثة الضخمة ، والشنب العريض المبروم لأعلى ، والعينان القاسيتان التى تشعان شرارا يرهب بهما السجين المحكوم عليه بالاعدام فيجعله يتمنى تنفيذ الحكم هربا من عيناه الجاحظتين ، وعشماوى هو الشخص المنوط به تنفيذ حكم الاعدام الصادر له من المحكمة العليا .
هذا العشماوى لا يقتصر وجوده فقط على السجن ، وانما يمكنك أن تراه فى كل مكان ولكن قد يبدو مختلفا بعض الشيئ ، فبدلا من أن تجده ضخم الجثة ، تجده ضخم السلطة ، وبلا شنب مبروم ، وعيناه تشع رقة وحنانا تدفعانك للارتماء فى أحضانه هائما فى الآمال والأحلام .. حتى تصحو فجأة وقد وضع يداه الناعمتان حول عنقك منفذا حكم الاعدام .
صديقنا " عشماوى " أراد فى اليوم الأول من رمضان أن يسلى صيامه ، كانت الناس من حوله تتبادل التهانى فى حب وتفاؤل بالشهر الكريم ، والكل يتمنى أن يكون هذا الشهر المبارك خير وبركة وسعادة للجميع .. لكن الناس جميعا كانت فى واد ، والحبيب عشماوى فى واد آخر .. فقد انسحب من جموع المهنئين وأخذ جانبا وهو يفكر بعمق .. كيف يسلى صيامه ؟؟ حتى جاءته الفكرة العبقرية ..
أصدر تعليماته بجمع المساجين الأربعة ، وامعانا فى التسلية .. جمع عائلاتهم من خلفهم ، وصاح فيهم .. لقد تقرر تنفيذ حكم الاعدام فيكم الآن .. يالها من صدمة ، أليست هناك فرصة لاستجماع القوى واستقبال الخبر ؟؟ أليس من حقهم أن يودعوا أسرهم ويخبروهم كيف يتصرفون مستقبلا ، أليست هناك فرصة لالتقاط الانفاس ..؟؟ انهار الجميع – المساجين وعائلاتهم واطفالهم – فى بكاء شديد من شدة الصدمة ، وتبدلت ابتسامتهم بقدوم الشهر الكريم فى يومه الأول ، بالبكاء والعويل .. وصاحبنا عشماوى جالسا مسترخيا مبتسم الوجه .. سعيد القلب ، مستمتعا بمشهد غرة رمضان ...
أخذ المساجين وعائلاتهم يتوسلون الحاج عشماوى ، أن يؤجل تنفيذ الحكم بعض الوقت ، وأخذ كل منهم يسوق أسبابه ودوافعه لطلب التأجيل ، وهو ينظر اليهم بوجه جامد ، وابتسامة صفراء .. وقلب يكاد يقفذ من صدره من شدة السعادة والمتعة .. واستمر الحال على ذلك ساعات وساعات ، بين الرجاء والأمل .. واليأس .
تململ الأخ عشماوى فى جلسته ، مستعدلا جسده المترهل .. متثائبا أحيانا ، مدلكا عيناه أحيانا .. مداعبا خصلات شعره الأشعث أحيانا أخرى .. ناظرا الى الضحايا من آن لآخر .. وأخيرا تعطف عليهم بالكلام .. " حسنا .. فلينصرف النساء والأطفال الى بيوتهم .. والمساجين الى سجنهم .. وسوف أنظر فى الأمر ، وقد أوحى بالأمل فى الاستجابة لطلبهم دون تصريح .. أو تأكيد .
عاش السجناء على الأمل .. وحاولوا أن ينقلوا الأمل الى ذويهم ، ولكن الانتظار بين الأمل واليأس صعب ، فاذا نام السجناء هاجمتهم الكوابيس ، واذا استيقظوا ، عاشوا فى حيرة من أمرهم ، تدور فى رؤوسهم ملايين الأسئلة .. هل ؟ متى ؟ لماذا ؟ ............. الخ . وأخينا عشماوى مستمتعا بصيامه وصلاته ، سعيدا بين أولاده بالشهر الكريم ، تاركا وراءه المساكين الذين يتقلبون على جمر النار فى انتظار مصيرهم .. تمر عليهم الدقائق كأنها أيام وشهور .. الساعة متوقفة تماما .. فى انتظار القرار ..
ولما طال الانتظار .. تسرب الأمل الى قلوب المساكين مرة أخرى .. وشعروا أن طول الفترة التى مرت عليهم ، ربما كانت مقدمة لاستيقاظ ضمير الحاج عشماوى فى هذا الشهر الكريم ، وقال بعضهم أنه من المستحيل أن تجتمع القسوة مع شهر الرحمة ، ولا بد أن مع العسر يسرا .. وبدأت النفوس تهدأ شيئا فشيئا ..
وفجأة .. ظهر الأخ عشماوى .. مناديا بأعلى صوته ، فاغرا فاهه الواسع الذى انبعثت منه الرائحة الكريهة .. وعيناه الحمراوان .. وشعره الأغبر ، واذناه الكبيرتان ، وأنفه المنبعج الأحمر الملوث أحضروا المساجين ( عفوا .. المساكين ) ، سوقوهم الى غرفة المشنقة .. حان وقت الاعدام .. لا أمل ولا مفر ولا رجاء .. أشنقوهم بلا رحمة ، فنحن فى رمضان وكل عام وأنتم بخير ...

الأربعاء، 20 أغسطس 2008

صدق أو لا تصدق ...


أغرب من الخيال ......

روى لى صديق من المقربين الملتزمين المعروفين بصدقهم ، أن أحد الأصدقاء يستأجر فيللا كبيرة بالدوحة ، ويقيم فيها مع أسرته منذ سنوات ، وكان الايجار عندما أستأجرها يبلغ ثلاثة آلاف ريال قطرى .. ومنذ حوالى عشر سنوات .. تم زيادة الايجار الى أربعة آلاف ريال قطرى .. أى أن الايجار أصبح أربعة آلاف ..
ولما لا حظ هذا الصديق أن المالك على مدى عشر سنوات تقريبا لم يفكر فى زيادة الايجار رغم الزيادة الجنونية فى الايجارات التى تشهدها قطر فى السنوات الأخيرة ، ذهب الى المالك من تلقاء نفسه قائلا له : " لا حظت ياسيدى أن الايجارات ترتفع سنويا ، حتى أن هناك آلاف القضايا أمام المحاكم لهذا السبب ، فى حين أنك لم تطلب زيادة فى الايجار عن الفيلا التى أسكنها ؟؟ " .
فأجابه المالك : " ولماذا أزيد الايجار ؟؟ لقد رزقنى الله بما يكفينى ويزيد والحمد لله .. وأنت انسان تقيم فى هذا السكن من سنوات طويلة ، ولديك أسرة والتزامات ، وتكلفة الحياة ترتفع من آن لآخر دون انذاز .. فهل أزيد عليك العبئ بزيادة الايجار ؟؟ .
فقال له الصديق : " ولكننى أشعر بأنك تظلم نفسك , وأرغب – عن كامل الرضا ، وعن طيب خاطر – أن أرفع القيمة الايجارية الشهرية الى خمسة آلاف ريال ، حتى يرتاح ضميرى .. "
فكانت المفاجأة أن رفض المالك رغم اصرار هذا الصديق ، وأقسم بأنه لن يزيد الايجار ولو ريالا واحدا .. وأن القناعة بالرزق تأتى بالخير الكثير .
وهنا تذكرت ما يدور من صراع بين المقتدرين من ملاك العقارات ، وهؤلاء المستأجرين الذين يصارعون الحياة لمواجهة الزيادة فى أسعار السلع وتكلفة المعيشة .. وزيادة المصروفات الدراسية ، وربما بعض التكاليف العلاجية لدى البعض ، بل وزيادة أسعار تذاكر السفر بالطائرة للاجازات السنوية الضرورية لهؤلاء المكافحين الذين ينتظرون الأجازة الدراسية لقضاء أجازتهم مع أولادهم وأهلهم وذويهم لتجديد نشاطهم ، والحصول على قسط ولو محدود من الراحة النفسية التى تمكنهم من مواصلة واجبهم تجاه عملهم .. .. وتذكرت الخطوة المباركة من جانب الدولة بوضع القوانين التى تقيم العدل فى العلاقة بين الطرفين ، والتى لولاها لما عرفنا الى أى مدى كان يمكن أن يصل الحال ..
ولكن الأهم من ذلك .. أننى تذكرت قول الله سبحانه وتعالى " بسم الله الرحمن الرحيم .. محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... الخ الآيات . صدق الله العظيم ، وتذكرت الحديث الشريف عن نبى الرحمة – صلى الله عليه وسلم - الذى قال فيه الله سبحانه وتعالى " وما أرسلناك الا رحمة للعالمين " صدق الله العظيم .. قال الحديث الشريف " الخير فى وفى أمتى الى يوم القيامة " وفى رواية أخرى الى يوم الدين .. صدق رسول الله ..
والى هذا الحد .. زالت دهشتى من رواية صديقى .. وأحسست فعلا أن هناك روايات أخرى كثيرة مشابهة مع أهل الخير .. وحمدت الله على أن الدنيا مازالت بخير.. ودعوت الله أن يكثر من أمثال هؤلاء المتقين الذين يشترون الآخرة بالدنيا بالقناعة والعمل الصالح ، والرحمة ..

الاثنين، 11 أغسطس 2008

الانسان .. والحب


الانسان .. والحب

الحب ... من المشاعر التى خلقها الله سبحانه وتعالى للانسان كى يستخدمها الاستخدام الأمثل ، للتقارب مع الآخرين ، والاستمتاع بالحياة السعيدة ، وأيضا للوصول بها الى الجنة .. وهنا أذكر بالحديث الشريف " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما .. صدق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
وكالمعتاد .. قام الانسان باستخدام هذه المشاعر النبيلة بطرق مختلفة ، واخترع أنواعا متعددة من الحب التى خرج بها عن المعانى السامية التى أتت بها هذه المشاعر.. فأفرزت العديد من أنواع الحب الدنيوى التى تفنن فى تسميتها وتصنيفها ..
فهناك الحب العذرى ، والرومانسى ، والحب من غير أمل ، والحب الحقيقى ، والمزيف ، والقاتل، وحب المصلحة ، وحب المادة ، والحب السياسى ، وحب المنصب ، وحب الرئيس المباشر فى العمل ، وحب النفس ، وحب الأنواع المختلفة من المادة ( كالخمر ، والمخدرات ، والنساء ، والسهر– والعياذ بالله - ) .............. الخ .
ومن الشائع .. أن معظم الناس تعود على أن الحب مرتبط بالنساء فقط .. فعندما تذكر كلمة الحب ، يتوقع الناس أن تستكمل حديثك عن قصة بطلتها أو ضحيتها امرأة .. وهذا أيضا من الأساليب والمفاهيم الخاطئة التى أدت الى تشويه هذه المشاعر الراقية .. الطاهرة .
والانسان .. اذا ضل طريق الهداية ، دأب على استخدام النعم التى أنعم الله بها عليه فيما يغضب الله ، بدلا عن التقرب اليه والسعى الى رضاه .. كما هو الحال فى استخدام العقل فيما هو شر ودمار للبشرية .. واستخدام الجسم فيما هو حرام .. واستخدام اللسان فيما هو معصية ...... الخ .
هل فكرنا فى أن الحب رابطة اجتماعية بين الآباء والأبناء ، والأخوة بعضهم البعض ، وفيما بين الأزواج .. والحب العائلى الذى يؤدى الى دعم صلة الرحم .. ؟؟ وهل فكرنا فى نتائج هذا النوع من الحب ونتائجه لصالح المحبين ..
هل فكرنا فى حب اخواننا فى الايمان ، والجيران ، والأيتام .. هل تأملنا فى حب السعى للخير ، وحب العدل وانصاف المظلومين ونصرة الضعفاء .. وحب الصدق والحق .. ؟؟ هل تأملنا حب العمل .. والاخلاص فيه .. ؟؟
هل خطر ببالنا حب الجهاد والشهادة فى سبيل الله .. ؟؟
وفوق كل ذلك .. وقبل كل ذلك ، هل تذكرنا ، وفكرنا فيما يعود علينا من نفع وسعادة اذا كان حب الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أحب الينا من الدنيا وما فيها وما عليها .. حتى من أنفسنا وأرواحنا وأولادنا .. ؟؟ وكيف نترجم هذا الحب الى عمل يكون سبيلنا الى الجنة .. ؟؟
نعم .. ان الحب من المشاعر الرقيقة الغالية ، التى تجمع بين الرقة فى الاحساس والقوة الذاتية للانسان فى نفس الوقت .. انه نعمة من الله سبحانه وتعالى .. لو أحسنا استخدامها ، لكانت أمانا ورخاءا واستقرارا ، وترابطا وقوة .. وكيانا عظيما نتباهى به بين الأمم ، ولكان بديلا يغنينا عن المخترعات الأخرى للانسان من قوانين ولوائح ومحاكم وقضايا وصراع وحروب ودمار ومعاناة .. أين أنت ياعالم الحب .. أين أنت يامشاعر الحب .. لقد قتلوك كما يقتلون أنفسهم ..

الأحد، 10 أغسطس 2008

الانسان .. والأمل

الانسان .. والأمل
الانسان .. هذا المخلوق العجيب صغير الحجم بالنسبة لكثير من المخلوقات الأقوى والأضخم ، ولكن عقله الذى وهبه الله اياه ، استطاع أن يسيطر على المخلوقات الأخرى ويسخرها – بفضل الله ومشيئته – لصالحه وفائدته ، بل واستطاع بالعلم أن يخرج من حيز الكرة الأرضية الى الفضاء ، ويبنى الأبراج العالية ، ويغوص فى أعماق البحار ، وأصبحت لديه القدرة على البناء والدمار ، الانتاج والتخريب ، فعل الخير والشر.
ولأن الله سبحانه وتعالى يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، ويعلم أنه مخلوق معقد المشاعر كما هو معقد التكوين الفسيولوجى ، فقد خلق معه واحدة من المشاعر التى جاءت لتجسد صفة من صفات الخالق وهى " الرحمة " ، فخلق معه مشاعر الأمل .
والأمل هو ببساطة .. خلطة سحرية لاستمرار الحياة ، ولولا الأمل لانتهت مظاهر الحياة منذ الأزل ، لأن الأمل هو البناء والعطاء ، هو القوة التى تساعد الانسان على الاستمرار والصبر فى مواجهة المحن والمصائب ، ويعينه على تخطى أصعب الظروف .
فالأمل بالنسبة للمريض الذى يلازم الفراش ، ويطول به الانتظار .. هو الذى يمنحه القوة للتغلب على المرض والعودة للحياة من جديد ، وقد أجمع علماء الطب على أن الحالة النفسية والمعنوية للمريض ، ورغبته فى الحياة ، تلعب دورا هاما فى استجابة المريض للعلاج ، وسرعة الشفاء ...
والأمل بالنسبة للمحب الذى يسهر الليل الطويل منتظرا طلة من الحبيب ، تمنحه القدرة على السهر والانتظار ليلة بعد ليلة على ضوء القمر أو شمعة وحيدة ، حتى يظفر ولو بنظرة أو ابتسامة تجدد فيه الأمل بأن يجمعهما الله – يوما ما بالحلال – فى عش الزوجية.
واذا فقد الانسان الأمل فى الحياة ، فان ذلك سيؤدى به الى اليأس والاحباط ، وربما يؤدى به الى الهلاك بالانتقام أو ارتكاب المعاصى لتدمير نفسه ، أو التخلص من حياته كما يحدث لدى ضعاف الايمان فى الشرق والغرب ..
وعلى العكس ، فان الأمل يؤدى الى التفاؤل ، الذى ينعكس على وجه الانسان بالابتسامة الدائمة التى تمنح الوجه جمالا على جمال ، وتكون مفتاحا لقلوب الآخرين فيظفر بحبهم ، ولنا أسوة بالرسول الحبيب " صلى الله عليه وسلم " والذى اتسم وجه الكريم بالابتسامة ، وبشرنا بأن تبسمك فى وجه أخيك صدقة ، فهل هناك أجمل من هذه الثمرة التى نشأت من الأمل .
وعندما فتح الله أبواب رحمته دون حدود أو قيود ووعد سبحانه - ووعده الحق - بالمغفرة ، واستبدال السيئات بالحسنات لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، فان الله أنعم بالأمل على أولائك الذين ضلوا السبيل ليغيروا مسارهم فى الحياة الى الطريق الصحيح ، وحسن الخاتمة والفوز بالجنة مثل من سبقوهم بالهداية والتقوى .. فما أجمل هذا الأمل ..
والأمل بالنسبة للشعوب المقهورة ، التى تتعذب وتعانى الظلم والقهر والفساد من حكوماتها ، او من حكومات أخرى جنت عليها .. فأنها تعيش على أمل الخلاص ، فاما أن يأتى الخلاص من السماء ، أو من أولائك المخلصين الذين لا يخشون فى الله لومة لائم ، الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، ويزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم ووهبوا أرواحهم لاقامة العدل ..
نعم .. هناك الكثيرون يعانون ويتألمون ولكنهم صابرون ، صامدون رغم المحن ، يتطلعون بالأمل الى السماء ، رافعين أياديهم متوسلين بالدعاء .. الى خالق الأمل ..

الخميس، 7 أغسطس 2008

الانسان .. والهدف


الانسان ماهو الا كائن حى ، يعيش على الأرض بين ملايين الكائنات الحية المرئية وغير المرئية ، ولكنه يتميز عن سائر الكائنات بتكريم الله سبحانه وتعالى له بتصويره فى أحسن صورة ، وانعامه عليه بجوهرة ثمينة أودعها فى قمة جسده تسمى " العقل " .
والانسان نوعان .. اما أن يعيش حياته على الأرض - وهى سنوات طالت أم قصرت – بلا هدف ، وهو فى هذه الحالة اما فاقد العقل أو ناقصه ، أو مخلوقا عشوائيا يهيم فى الوقت الضائع على هامش الحياة التى يغادرها دون أن يترك أثرا أو ذكرى يشعر معها الآخرين بأن هذا الكائن الحى كانت له قيمة ما فى يوم من الأيام ، كأى كائن حى لا يرى بالعين المجردة ، نطأه بأقدامنا دون أن نراه أو نشعر به .
والنوع الثانى هو الانسان الذى ينشأ على تحديد الهدف ، ثم التفكير والتخطيط فى الوسيلة التى يحقق بها الهدف ، وأخيرا تقييم النتيجة ، ومن ثم وضع الهدف التالى للمرحلة التالية من حياته ، أى أن حياته مجموعة من الأهداف التى تناسب مراحل حياته الاجتماعية ، وتتطور معها ، حتى يغادر الحياة تاركا وراءه ما يجعل له ذكرى .
وليس بالضرورة أن تتحقق كل الأهداف ، أو يكون النجاح حليفا دائما للانسان ، أو أن يكون النجاح أو الفشل مطلقا ، وهى عوامل يحدد مداها مستوى العقل ، والقدرة على استخدامه ، والعوامل المحيطة ، بل وواقعية الهدف ...
والهدف .. اما أن يكون نبيلا وساميا ، وهو مايحقق الفائدة لصاحبه وللآخرين ، واما أن يكون هدفا شريرا وشيطانيا ، وهو ما يسبب الدمار والضرر وربما الفناء الجزئى أو الكامل ، والعامل المؤثر فى هاتين الحالتين ، هو طبيعة تكوين الانسان وقدراته والصفات التى اكتسبها خلال مشوار حياته منذ نعومة أظافره ، وبالتبعية فان وسائل تحقيق الهدف تتناسب مع طبيعة الهدف نفسه من حيث كونها وسائل شرعية ، نقية ، أو وسائل ملتوية غير شرعية ، خبيثة ...
وما أشرنا به هنا عن الفرد ، ينصرف أيضاع على الكيانات الاجتماعية المختلفة التى تبدأ من الأسرة التى تسعى لكسب الرزق وتوفير الحياة الكريمة لأجيالها القادمة بطريقة شريفة ، والمساهمة فى بناء المجتمع بالعلم والكفاح ، وتلك التى تسعى لامتصاص دماء الآخرين لتحقق الثراء الفاحش على أجساد الفقراء ، وليس للعاطفة أو الانسانية وجود فى مشاعرها الدموية ..
وتلك الدول التى تسعى لمحو شعوب صاحبة الحق فى الوجود والأرض ، لتقيم كيانا لها على جماجم هذا الشعب ، والأخرى التى تسعى للسيطرة على العالم أو مناطق اقتصادية بعينها لتزيد تعاظمها وجبروتها .. كما تمتص البعوضة دماء الانساء لتبقى وتعيش .. وتنمو ربما لاعتقادها أنها يمكن أن تصبح فيلا طائرا فى يوم من الأيام ..
وأيضا مجموعات الدول التى تتجمع وتندمج لتصبح قوة فى مواجهة التكتلات العالمية الحديثة أملا فى البقاء ، وتوفير الحد المناسب لكرامة شعوبها ..
الى هذا الحد .. سمعت صوتا خفيا يسألنى ، وماذا عن الأمة العربية ، هل لها هدف ؟ ماهو ؟ هل فكرت فى كيفية تحقيقه ؟ هل سنضمن كرامتنا فى السنوات القادمة بين ما يسمى بالتكتلات العالمية أو ما يدعى بالعولمة والانفتاح المخطط " اتجاه واحد " لصالح الآخرين ؟
والى هنا أدرك شهر زاد الصباح .. فسكتت عن الكلام المباح ..

الاثنين، 26 مايو 2008

الى كل مسئول كبير فى الدنيا ..


انتبه أيها المسئول الكبير ...
لأننى أحلم بالعدل ، وتحقيق الصالح العام ، واثراء المجتمع بالكفاءات الحقيقية التى يخفيها مساعدى المسئول الكبير عن عينيه ، ولأن هذه الكفاءات الحقيقية يمكن أن تغنى الوطن عن الاستعانة بكثير من الأجانب الخبراء أصحاب الرواتب والامتيازات اللامعقولة والتى نكتشف فيما بعد أنها عادية جدا ...
ولأننى أكره الفشل ، وهدم المؤسسات الناجحة ليعاد بناؤها من جديد بتكلفة مضاعفة وخسارة فى الوقت والجهد ، ولأننى أكره العمولات والهدايا – عفوا .. أقصد الرشاوى المستترة - ولأننى أكره الفساد والشللية والتعصب والعنصرية والتخلص من المخلصين بوصمهم بتهمة المتخلفين المعقدين أصحاب المشاكل ..
ولأننى لا أحب أن تشوه صورة المسئول المخلص الناجح الواعى بواسطة مساعديه ، ولأننى أتمنى له النجاح لتحقيق أهداف الوطن .. ولا أحب له أن يشارك – دون أن يدرى – فى جرائم الظلم والفساد والاضرار بالصالح العام ، ولأننى لا أحب أن يقف الموقف الصعب أمام الله يوم الحساب حيث يهرب من حوله المساعدين المنافقين الذين وضعوه فى هذا الموقف الصعب ، ولكنهم للأسف سبقوه الى جهنم لاستقباله بحفاوة الدنيا ولكن مع الفارق ..
ولأن كثيرا من القيادات السياسية والزعماء – ونحن نعرف بعضهم – ضاعوا وضاعت بلادهم التى احتلت فى أيام معدودة بسبب المساعدين الفاسدين المنافقين المضللين ، الذين أحاطوه بعكس الحقائق ، حتى استيقظ على الحقيقة المرة .. فكانت الصدمة التى أودت بحياته فجاة ، بعد أن كان فى كامل صحته وحيويته .. ومات ذليلا بالهزيمة ..
وتحضرنى بهذه المناسبة واقعة حقيقية كنت أنا محورها .. فقد أقترح أحد المسئولين ترشيحى لكى أكون مديرا لمكتب أحد المسئولين الكبار لخبرتى فى هذا المجال ، ثم استدعانى هذا المسئول – وكان مساعدا للمسئول الكبير – وأخبرنى بهذا الترشيح ، ثم طلب منى – بأسلوب النصيحة – أن أقوم بوظيفتى دون أن أثير أية آراء أو نصائح فى العمل لهذا المسئول لأنه لا يحب كثرة الكلام .. وكانت المفاجأة بأن أجبته بأننى اذا توليت هذه الأمانة فلن أسمح بأى قرار يبنى على معلومات خاطئة ، ولن أمرر الى المسئول أى موضوعات غامضة ، ولن أسمح لنفسى بأن أرى خطأ فى العمل دون أن أنبه المسئول اليه ..... الخ .
وكانت النتيجة .. أن ذهب هذا المساعد الى المسئول .. وأخبره بأننى لا أصلح لهذا العمل لأننى كذا ، وكذا ، وكذا ..... الى آخر المدى من الصفات التى جعلت المسئول الكبير يضعنى فى القائمة السوداء ، وأتلقى الصفعة تلو الأخرى ، انتقاما من قلة أدبى ... وبجاحتى.
أيها المسئول ، وياكل مسئول .. انتبه .. فأنا والله أحبك ، وأحب لك النجاح من أجل الصالح العام ، وصالح الوطن ، فخذ حذرك من مساعديك الذين يجيدون الكلام المعسول والسمع والطاعة والهرولة خلفك ، هؤلاء الذين سعوا اليك لمصلحتهم فقط ، ولا يؤلمونك بالحقيقة اذا استدعى الأمر ، فهم حريصون على راحتك دائما .. يريدون أن يروك مبتسما سعيدا لا تفكر فى أى شيئ ، فهم يفكرون ويسهرون الليالى بدلا منك ، وأجمل ما يتمنون أن يحملوا الهموم عنك .. اذا سافرت فهم فى صحبتك أو وداعك بالمطار .. واذا عدت ، فهم فى استقبالك للترحيب بك ، واذا ذهبت الى مكان ، فهم أمامك – مثل موتوسيكلات التشريفة – يشقون لك الطريق ، واذا نظرت نحوهم .. جاؤك جريا لسماع توجيهاتك أو طلباتك ، فتقول لهم " شكرا .. مش عاوز حاجة " لأن نظرك وقع عليهم بالصدفة .. وهم دائما يبعدون عنك المرتزقة والهمج والعشوائيون من القوم .. كما يبعدون عنك الذباب ..

ياسيدى وحبيبى المسئول ، المساعد الصالح ليس الذى دخل عليك بلحيته الكثيفة مرتديا ثوب الورع والتقوى ، والله وحده أعلم بقلبه وفعله فى الخفاء .. ولا من جاءك يحمل بعض الأوراق التى اشتراها من الجامعات الغربية وهو فى الحقيقة يسطو على المعلومات من صغار الناس المغمورين ليبيعها لك ، ولا الذى يسمعك أجمل الكلمات التى تسرك وتسعدك وترفعك الى عنان السماء ..
المساعد المخلص .. هو الذى يضع أمامك الحقائق حتى لو كانت مؤلمة ، ويشعرك بأنك تقف دائما على الأرض التى نضع عليها جباهنا خضوعا لله وخشية منه .. هو مرآتك التى ترى فيها نفسك دائما دون رتوش .. المساعد المخلص هو الذى تسعى أنت اليه .. ولا يسعى هو اليك .. الله أشهدك أننى بلغت .. اللهم فأشهد ..

الأربعاء، 7 مايو 2008

أنقذوا لغتنا الجميلة ..


أنقذوا لغتنا الجميلة ...
فى السنوات الأخيرة ، انتشرت ظاهرة غريبة فى مجال العمل ، اذ ظن البعض أن استخدام اللغة الانجليزية فى التعامل فيما بين العرب داخل مؤسسات وهيئات عربية وربما اسلامية ، هو مؤشر على التطور والرقى بصرف النظر عن الكفاءة والخبرة المهنية ، وعندما تسأل هؤلاء المتفرنجون عن الفاتحة والصمدية والمعوذتين ، ينظرون اليك فاغرين أفواههم وكأنك تسألهم عن معادلات فى العلوم النووية ، أو كأنك تحدثهم عن شئ على كوكب المريخ ، بل أن الأمر يصل ببعضهم الى النظر اليك كأنسان متخلف جاء من العصور الوسطى ...
وتذكرنى هذه الظاهرة ببعض السيدات اللائى كن يجلسن فى المناسبات الاجتماعية المختلفة ، مرتديات أفخم الثياب ذات الموديلات الغربية شبه العارية ، واضعات احدى الأرجل فوق الأخرى بمنتهى العظمة ، ممسكات بين أصابعهن بأفخر أنواع السجائر ، وتتحدثن مستخدمات بعض كلمات اللغة الانجليزية أو الفرنسية ، وعندما تتقدم الي احداهن بورقة مدون عليها بعض الكلمات باللغة العربية ، تكتشف أنها من الأميات اللائى لا يعرفن القراءة والكتابة واذا تعمقت فى البحث ، لأكتشفت أنها من أحط الأحياء الشعبية ، وأنها كانت تجلس فى صغرها بجوار والدتها على الرصيف لبيع الحلوى مع الذباب للأطفال ، مهرولة من آن لآخر هربا من حملات شرطة البلدية قبل القبض عليهن .. هؤلاء السيدات كانوا يسمهون " المتحزلقات " .
ويحضرنى فى أحد المرات أن أحد الزملاء فى العمل كتب الى ملاحظة باللغة الانجليزية - وأنا والحمد لله أجيدها - فكتبت اليه ردا باللغة العربية ، وأتبعته بملاحظة رجوته فيها أن يكتب الى فى المرات القادمة مستخدما اللغة العربية وهى لغة القرآن التى يجب أن نفخر ونعتز بها ، وأبديت تساؤلى " لما نتعامل نحن العرب فيما بيننا باللغة الأنجليزية " ؟ فكانت دهشتى البالغة عندما توجه هذا الزميل الى رئيسه المتفرنج مهددا برفع شكوى فيما كتبته الى أعلى المستويات الادارية ، وكأننى ارتكبت جرما .. فما كان منى الا أن ضحكت ، فكما يقولون " شر البلية ما يضحك " .
لا نريد أن ننسى أصولنا العظيمة ، لا نريد أن نكون كمن جاء من أعماق الريف فأرتدى الجينز الأمريكى ، فصار أضحوكة بين الناس ، أو كمن أرتدت آخر موضة من الفساتين التى كانوا يسمونها " الشوال " فأصبحت من ترتديها أسما على مسمى ...
واذا توقفنا أمام هذه الظاهرة ، ونظرنا الى المستقبل الذى ليس ببعيد ، نجد أن لغتنا الجميلة ، لغة القرآن الكريم مهددة بالضعف - ولا قدر الله – ربما بالانقراض لأسباب مظهرية ليس الا ، ولأننا لا نطالب المدارس والجامعات الأجنبية بأن تكون اللغة العربية والعلوم الشرعية مواد اجبارية فى مقرراتهم ، ولأننا لا ندرج اجادة اللغة العربية ضمن بنود الاختبار فى المقابلات المؤهلة للتوظف ، وألا تكون المراسلات الرسمية فى مؤسساتنا وهيئاتنا هى اللغة العربية ، وألا نستخدم اللغة الأجنبية الى فى التخاطب مع الأجانب الذين يجهلون اللغة العربية أو فى المراسلات الدولية مع الشركات والهيئات الأجنبية فقط ...اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، التى نظمنا بها أرقى الأعمال الشعرية والأدبية والتى حصلنا بها على أعلى الجوائز العالمية ، وكرم عليها أدباؤنا فى المحافل الدولية .. أصبح البعض ينفر منها ومن مجيديها ومحترفيها ، تستغيث بأولى الأمر أن ينقذوها من المتحزلقين والمتحزلقات ، الأحياء منهم .. بعد الأموات ..

الثلاثاء، 29 أبريل 2008

سـر الهاربــــــــــة ...


ســر الهـاربة ...

انسابت المياه الصافية فى النهر الهادئ ، تعكس على صفحتها وجه القمر المكتمل الذى أضفى على المياه لونا فضيا رائعا .. يمر بين صفين من الأشجار على شاطئيه ، كأنهم حراس أشداء يقفون ليل نهار يستمتعون بالنظر الى مياهه العذبة .. ويحرسونه لقيمته وضرورته التى خلقها الله نفعا وسرا للحياة ...

وعلى احدى ضفتيه .. كان هناك منزلا صغيرا .. يبدو جميل الشكل بتصميمه الرائع الذى يدل على ذوق صاحبه الفنان .. كان يسبح فى الظلام الا من نافذة واحدة كان ينبعث منها ضوءا خافتا ، يغرى من يراه بحب الاستطلاع ..

كان الهدوء يلف المكان ، فيضفى عليه بما يحيطه من طبيعة جميلة .. هيبة ووقارا .. كرجل وسيم فى منتصف العمر ، أحسن اختيار ملابسه الأنيقة ، وتعطر بأفضل العطور .. ووقف فى صمت ووقار يتأمل جمال النهر وهو ينساب على البساط الأخضر فى رقة ودلال ...

فارس .. هذا هو أسم صاحب المنزل .. أخذ جانبا من قاعة الاستقبال ، التى حوت أثاثا كلاسيكيا جذابا بتصميمه وألوانه ورقة اختياره .. فجلس وحيدا فى أحد الأركان وبجواره مصباحا خافتا على طاولة صغيرة .. عليها منفضة سجائر من الكرستال النادر .. تحوى بعضا من بقايا السجائر التى أطفأها فارس خلال جلسته ذاك المساء ..

جلس فارس مسترخيا على كرسيه الوثير .. وقد أشعل لتوه سيجاره الفاخر يجذب منه نفسا عميقا ، ثم ينفثه فى الهواء .. ويتابع حلقات الدخان وهى تصعد هادئة الى أعلى قبل أن تذوب وتختفى فى سقف القاعة .. وكان قد ترك باب المنزل مفتوحا ليستمتع بالهواء المنعش القادم من النهر القريب ..

انبعثت الموسيقى الهادئة من أحد الأركان التى وضع فيها فارس جهاز تشغيل الاسطوانات التى اختارها بعناية فائقة .. ترتبط معظمها بذكرياته الجميلة التى يحب أن يسترجعها من آن لآخر فى ظل هذا الجو الرومانسى الرائع .. وأخذ يرجع برأسه الى الخلف حتى تستلقى على المسند الوثير العالى .. فيغمض عينيه متمتعا بذكرياته .. وخياله الواسع ، دون أن ينغص عليه وحدته أحد ممن لا يملكون مشاعر الرومانسية الراقية التى كان يعشقها ..

تسللت بخفة الفهود ورشاقة الغزالان عبر مدخل المنزل .. واقتربت من فارس دون أن يشعر .. ثم ألقت عليه تحية المساء ..

فتح فارس عينيه مندهشا من المفاجأة .. فاذا به فجأة أمام ملاك رائع الجمال ، وكأنما هبط عليه من السماء دون تنبيه أو انذار .. لم يصدق عيناه فى بادئ الأمر من المفاجأة .. ولكنه أدرك أنها حقيقة .. فنظر اليها متأملا ، مستفسرا ولكنها كانت على قدر من الزكاء .. ورأت فى عينيه العديد من التساؤلات المتوقعة .. فبادرته بتقديم نفسها اليه باسم وعنوان مستعار ، وأنها تقيم فى مزرعة مجاورة وتعمل لدى احدى الشركات السياحية .. وسألته عن امكانية الاستفادة من خدمات تلك الشركة ..

كان من الواضح أن حب الاستطلاع هو الذى دفعها الى اقتحام دنيا هذا الرجل الغامض .. وربما جذبها بحياته الرومانسية التى تهواها .. دون أن تقصد ، فأقتحمت عليه هدوءه وخلوته .. بهذه الطريقة .. وان كان هذا مجرد احتمالات لم تفصح هى عنها حتى اللحظة ..

لم تكن تتوقع أن يفاجئها فارس بالعديد من الأسئلة عن نفسها وليس عن شركتها أو الخدمات التى تقدمها .. فأرتبكت ، وأرادت أن تعتذر عن الازعاج وتستدير مسرعة بالهرب نحو الباب .. ولكن فارس كان أسرع منها .. فقفذ وراءها ، واستطاع أن يمسك بيدها بعد أن بلغت باب المنزل .. وأبلغها أنه لن يتركها تنصرف قبل أن يعرف الحقيقة ، ولماذا اقتحمت عليه عالمه .. وشرفته بهذه الزيارة الغريبة .. فلما لاحظت اصراره .. وشعرت أنها أصبحت أسيرة بين يديه ، وعدته بأن تكشف عن شخصيتها ، وسبب زيارتها .. فدعاها للدخول الى عالم الرومانسية .. وقبلت الدعوة ...

جلست على الكرسى الوثير بالجانب الآخر من الطاولة التى كان يجلس بجوارها .. وبينهما هذا المصباح الخافت ، يستمعان معا الى الموسيقى الهادئة التى أضفت على جلستهما سحرا خاصا ، لا يتذوقه الا من يعرفه ويعشقه ... سحب سيجارا من العلبة الفاخرة الموضوعة بجواره .. وقدمه اليها .. فمدت أصابعها الرقيقة وتناولته ، ثم أشعل لها السيجار ، فأتاح له ذلك أن يقترب منها ويشم رائحة عطرها الساحر الذى أوحى له بأنه قريب من باب الجنة ...

أفصحت له عن شخصيتها .. ولكن لم تخبره عن سبب الزيارة ، وأرجأت ذلك الى وقت لاحق من هذه الجلسة .. ثم بدأت تتحدث عن نفسها ، فاذا بها تحمل كافة الصفات التى كان يحلم بها دائما ، دون أن ينالها .. ويا لفلسفة القدر ..
كان ذلك دافعا لأن يتحدث عن نفسه أيضا .. فأكتشفا معا أنهما كيان واحد فى جسدين منفصلين ، ولكنهما يحملان نسخة واحدة من المشاعر والأحاسيس والعقل .. بل ويكملان صفات بعضهما بعضا ..

تبادلا الحديث فى العديد من الموضوعات .. وكانا متفقان تماما فى وجهات نظرهما .. ولم يختلفا فى شيئ يذكر ، وكان الحديث بينهما شيقا وممتعا الى أقصى حد .. حتى أنهما لم يتوقفا لحظة واحدة عن الحديث .. بل كان كل منهما يحملق باعجاب فى عيون الآخر ، منبهرا ومستمتعا بحديثه .. راجيا منه الاستمرار ، ومتشوقا أن يصل الى نهاية الحديث دون أن يدرك مراده ..

أحس كل منهما بسعادة غامرة .. وأدركا أنهما كانا يعيشان فى فراغ كبير وفى عالم غير عالمهما .. وكان لكل منهما معاناته ومشاكله .. فكانت هذه الجلسة بمثابة الهروب من ذلك العالم المزعج الى عالم التوحد والانصهار، من عالم الخلاف الى الاتفاق ، من الصراع الى المتعة ، ومن الوحدة القاسية فى العالم المزدحم بالغوغاء الى الصحبة الجميلة الهادئة .. ومن الضياع الى الأمان والاستقرار ، ومنح كل منهما السعادة والراحة النفسية الى الآخر .. وأحسا بأنهما كانا يسيران فى صحراء قاحلة تحت وهج الشمس الحارق .. وفجأة ظهر كل منهما للآخر .. حاملا بيده أبريقا من الرحيق البارد .. فأخذا يرتويان منه بجنون ودون وعى ..

مرت الساعات .. وكأنها لحظات أو دقائق .. كان حلما رائعا يتمنيان ألا يفيقا منه ، وكان كل منهما يشعر بلذة وطعم هذا الشراب الذى أخذ كل منهما يقدمه لأخر ، فينهل منه دون أن يشعر بالارتواء ..

اقترب الفجر .. وشعر فارس بنسيمه العليل الذى يحمل معه عبير الزهور المحيطة بالمنزل .. فأكتمل الجو الرومانسى ، وأراد فارس أن يسجل هذه اللحظات فى داخله .. فأسند رأسه الى الخلف ، وأغلق عيناه ، وكأنه يريد أن يحبس بداخلهما صورة الملاك الجالس بجانبه ، وأن يترك لخياله مزيدا من العنان للاحساس بالمتعة التى شعر بها للمرة الأولى فى حياته ..

وعندما فتح عيناه ملتفتا الى جليسته .. كانت الصدمة ، لم يجدها .. أختفت دون أن يشعر بأنصرافها .. لم يصدق ، التفت حوله كلمجنون باحثا عنها .. ثم استجمع انتباهه ، وقفذ من مكانه يبحث فى أرجاء المكان ، آملا أن يكون اختفاؤها نوعا من المداعبة .. ولكنه لم يجدها .. فخرج مسرعا من المنزل ، فاذا بها فى قارب صغير تعبر به النهر الهادئ الى الضفة الأخرى ، ملوحة له بالوداع .. فظل واقفا مشدوها ينظر اليها .. غير مصدق أنه قد أستيقظ من حلمه بهذه السرعة .. ولا يعرف كيف يستردها بعد أن ظن أنه قد أمتلكها الى ألأبد ..

ظل ينظر اليها غير مصدق .. حتى اختفت فى ظلمات النهر الى الضفة الأخرى .. وتركته حائرا ، مستشعرا الوحدة مرة أخرى ، عاد لآلامه وأحزانه ومعاناته .. انصرفت وبيدها أكسير الحياة قبل أن يصل معها الى حد الارتواء ، فاستسلم للأمر الواقع واستدار عائدا الى منزله يجر قدميه جرا .. ويسير متساقلا حالما بأن يسمع صوتها الرقيق يناديه .. لكنه كان وهما وأملا ضائعا .. ودربا من دروب المستحيل ، فقد هربت منه !!!

وصل الى كرسيه .. والقى بنفسه جالسا فى حالة من اليأس والضياع ، أشعل سيجارا ، وأخذ يجذب الأنفاس منه ويخرجها فى حالة عصبية بالغة .. متسائلا .. لماذا هربت ، هل كان منى مايغضبها ؟ وأخذ يحاسب نفسه ، فلم يجد تفسيرا لذلك .. تصارعت بداخله الأسئلة ، حتى شعر بالتعب والصداع ، فأطفأ سيجاره ، والقى براسه الى الخلف فى حالة من الاعياء الشديد .. بعد أن طاف بصحبتها فى عالم الرومانسية الحالمة .. ثم هربت بسرها دون أن تفصح عن السبب الحقيقى لزيارها .. وفجأة تنهد تنهيدة عميقة ، خرجت من صدره مشتعلة .. وهو يسأل نفسه حائرا ..

لماذا جئت لزيارتى ؟ ثم ذهبت فجأة بلا عودة ؟
مرددا .. منك لله .. وراح فى سبات عميق ..........

الاثنين، 28 أبريل 2008

نداء الى صديق ..


الى صديقى الصحفى المخلص .. الأستاذ / أمير

الذى شجعنى يوما على تجربة القصص القصيرة ..

ووعدنى بتجميعها .. ونشرها ..

وأرسلت له فعلا بعض أعمالى المتواضعة ..

ولظروف الزمن .. والحياة .. فقدت هذه الأعمال ..

وباعد الزمن بينى وبين صديقى .. وفقدت الاتصال به ..

أرجو منه اذا قرأ كلماتى هذه .. وكان مايزال يحتفظ بهذه الأعمال المتواضعة .. أن يرسلها الى على عنوانى التالى :


ولن أنسى له هذا الجميل ..

وله تحياتى .. وليتنى التقى به قريبا .. لأننى أفتقدته فعلا ..

سمو الأميرة


سمو الأميرة ...

كان ياما كان فى سالف العصر والأوان ..
ملك عظيم الجاه والسلطان ..
كان يدعى الملك نعمان ..
وكان الملك يقيم فى قصر حصين محاط بأسوار عالية ..
ولم يكن له من الأولاد سوى بنت واحدة ..
كانت رائعة الجمال ..
عجز عن وصفها الشعراء ..
وعن رسمها أى فنان ..
***

كانت الأميرة تقيم فى جناح خاص من القصر ..
ويسهر على حراستها أقوى الفرسان وأمهرهم ..
وفى يوم من الأيام ..
مرضت الأميرة !!!
وبمرضها .... أوقعت الملك فى الحزن والحيرة ..
فقد كانت تقضى الليل سهرانة ..
تبدو حزينة .. حيرانة ..
تتساقط الدموع على وجنتيها ..
وأصاب الاحمرار والأرق عينيها ..
لا تتكلم مع أحد ..
وليس لحزنها أمد ..
ولا تشكو من ألم أو داء ..
وليس لها فى الدنيا رجاء ..
وامتنعت عن الطعام ..
حتى أضحت لا تقوى على الكلام ..
***

جن جنون الملك .. وأستدعى وزرائه ومستشاريه ..
وطلب منهم أن يجدو له حلا لمرض الأميرة ..
والبحث عن طبيب خبير ..
يحدد الداء .. ويصف الدواء ..
وبدأ البحث عن الطبيب ..
***
قمر الزمان ..

كان هذا أسم الأميرة ..
بعد أن أصدر الملك أوامره للبحث عن الطبيب ..
أخذت المملكة كلها تبحث عن الطبيب حبا فى الأميرة ..
وفى أحد الأطراف النائية من المملكة ..
كان هناك كوخ صغير .. يقطنه رجل مسن ..
له وجه مشرق .. تزينه لحية طويلة بيضاء ، كبياض الثلج ..
لم يكن يملك من الدنيا سوى الحكمة والخبرة وطيب المعشر ..
فذهبوا اليه وسألوه عن طبيب ..
فسألهم عن السبب ..
فقصوا عليه حكاية الأميرة المريضة ..
فأخبرهم بأنه على استعداد لعلاجها ...
***

جمع الطبيب كتبه ، وأعشابه ، وأدواته ..
وذهب معهم الى قصر الملك ..
وما أن مثل أمام الملك حتى سأله :
" هل أنت قادر على علاج الأميرة ؟؟
فأجابه الطبيب الحكيم : بمشيئة الله يامولاى ..
فقال الملك : اذن أنت ضيفى فى هذا القصر ،
ولن تخرج منه الا فى حالتين ..
اما أن تعالج الأميرة .. أو أقطع رأسك ، فتخرج محمولا على محفة الموتى ..
فقال الحكيم الطبيب : توكلت على الله الشافى ..
فقال له الملك : لى شرط آخر .. وهو أن تعالج الأميرة من خلف ساتر ..
فلن تراها ..
فوافق الحكيم على شرط الملك ..
ولكنه طلب منه أن يعطيه الوقت الكافى حتى ينتهى من العلاج ..
فوافق الملك ..
واتفق الحكيم الطبيب على أن يبدأ أولى جلسات العلاج ..
اعتبارا من مساء نفس اليوم ..
***

قام الحرس باصطحاب الطبيب الى جناح الأميرة ..
كانت غرفة الأميرة بالغة الجمال والفخامة والرقة ..
يلفها الهدوء .. وينبعث من أركانها رائحة البخور الرائع ..
وكان يتوسطها فراش يرتفع عن الأرض قليلا .. ليعطيه هيبة وعظمة ..
كان قد أسدل حول الفراش ستارة من الحرير ذات اللون الأرجوانى ..
مطعم بحبات الذهب والماس ..
وظهر من خلف الستائر .. ضوء ضعيف باهت .. لا يظهر أى معالم فى الفراش ..
سوى خيال ضعيف يدل على وجود الأميرة مستلقية فى فراشها ..
وقد وضع بجوار الفراش كرسى وثير .. خصص للطبيب ..
فجلس الطبيب الحكيم .. وطلب اخلاء المكان من الجميع ..
فأطاعوا .. وانصرفوا على الفور ..
كان الجو العام للمكان بهدوئه واضاءته الخافتة يوحى بحرية الخيال ..
وانطلاقه الى اللانهائية ..
وبعد برهة من الصمت .. تحدث الطبيب ..
وكان صوته هادئا رخيما .. متزنا .. مفعما بالحنان ..
وكانت نبرة صوته تحمل كل معان الأمان ، والاطمئنان .. والحب ..
قال :
يا بنيتى .. ها أنا معك وحيدا ..
لا يرانا ولا يشهد علينا الا الله ..
وقد جئت من أجل شيئ واحد فقط ..
هو أن أسمعك .. ولن أقاطعك .. فتحدثى كما تشائين .. وبما تريدين ..
ولن تشعرى بوجودى وكأنك تتحدثين مع نفسك ..
وأعاهدك على أن كل ما يدور هنا .. هو أمانة فى عنقى أمام الله ..
ولن يعلم به انسان سوانا .. حتى لو قطعوا رأسى ..
تحدثى الى نفسك بصوت مسموع ..
ولن أغادر القصر حتى تتحدثى فى كل ما ترغبين ..
ولن أغادر القصر حتى تأذنين لى بالانصراف ..
واعلمى يابنيتى .. أننى عانيت الظلم كثيرا ..
سواء من البشر .. أو من الحياة ..
ولن أرضاه لك .. أو لأى انسان ..
وجلس فى صمت كامل ..
وفى سكون العابد ..
لا يكاد الانسان أن يسمع الا دقات قلب ضعيف ..
قلب الأميرة ..
ودقات قلب ملؤها الحنان والحب .. قلب الطبيب ..
مرت لحظات ..
ثم جاء من الفراش .. صوت رقيق .. رقة الفراشة ..
ناعم .. كنعومة الحرير ..
حلوا .. كأنه عزف الناى الحزين ..
وبرغم ما يعترى الأميرة من ضعف .. ووهن .. وحزن ..
الا أن ذلك لم ينتقص من عذوبة صوتها .. ورقته ..
فكان كعزف ملائكى .. حالم ..
انبعث كنسمات رقيقة .. داعبت أوراق الشجر ..
جاء من بعيد .. وتسلسل فى الظلام ..
فأضفى على المكان جوا من الرومانسية الطاغية ..
وبدأ الكلام ...

بدأت الأميرة فى الحديث .. وكان الطبيب آذانا صاغية ..
لم يقاطعها .. بل لم يشعرها حتى بوجوده ..
لم يمل حديثها ..
شعر بأن هذه الأميرة المحاطة بالجاه والسلطان ، والحرس ، والقصر العالى ..
ماهى الا انسانة .. تحمل قلبا رقيقا .. وحسا مرهفا ..
وعذوبة لا مثيل لها ..
لها مشاعر فنان ، ورقة تفوق الفراشة ،
تتحدث بالمنطق قبل الخيال .. وبالأمل قبل اليأس ..
وبالحب دون الكره .. قلبها كبير رقم صغره ..
لقد أضفت على هذه الجلسة .. جوا من الحنان والعذوبة والشاعرية المطلقة ..

استمرت الجلسات .. ليلة بعد ليلة ..
وأفرغت كل مافى صدرها من شجون وأحاسيس ..
وكانت كلما استطردت الحديث .. شعرت ببعض التحسن النفسى ..
وبدأت تسأل عن الطعام والشراب ..
وبدأ الدم يتدفق فى عروقها ، فبدأت تخرج من فراشها أحيانا ..
وتتحرك فى أنحاء الغرفة من آن لآخر .. بثيابها الفضفاضة .. وألوان جذابة ..
وكأنها فراشة أحسن الخالق تصويرها .. تسر الناظرين ..
رغم الاضاءة الخافتة التى لا تظهر ملامحها الحسناء ..
وشعر الطبيب بتحسن ملحوظ فى نبرات صوتها ..
وميلها الى الكلمات الباسمة أحيانا ..
وانعكس التطور النفسى الذى طرأ عليها بالسعادة والراحة على الطبيب ..
حتى أنه بدأ يتوق متشوقا الى جلساتها .. والاستماع اليها ..

شعر الطبيب بأن جلسات الأميرة أصبحت بالنسبة له ..
كنسمات رقيقة تلفح قلبه العجوز النائم منذ سنوات ..
فتنعشه .. وتعيد اليه شيئ من شبابه ..
وكان قد أحس قبل ذلك أن زمنه قد ولى ..
وأنه أصبح فى نهاية الطريق ..
ولكن قلبه أخذ ينبض بالعاطفة من جديد ..
لقد أحب فيها الأمل ..

ذات مساء .. أخبرته الأميرة أن حديثها قد انتهى ..
فوعدها خيرا .. وأوصاها بألا تتخلى عن الأمل .. فهو سر الحياة ..
وامتدح فيها جميل الصفات ..
فأحست بنبض الحياة من حولها .. وشعرت بفرحة داخلية لا تعرف مصدرها ..

طلب الطبيب مقابلة الملك نعمان .. فحدد له موعدا ..
وكان الملك قد علم ممن يحيطون بالأميرة ، بما طرأ عليها من تحسن طفيف ..
فشجعه ذلك على منح الطبيب فرصته للعلاج ..

وفى الموعد المحدد .. جلس الطبيب الى الملك .. ودار بينهما هذا الحوار ..
* : يا مولاى .. هل تحب ابنتك ؟
* : هى كل حياتى .. هى أغلى من نور عيناى ..
* : هل أنت على استعداد لشراء الدواء الذى يشفيها مهما كان ثمنه ..؟
* : ( دون تردد ) نعم .. ولماذا أحضرتك ..!!
* : دواء ابنتك يامولاى .. أسمه " الفارس مهران " .
* : ( تعجب الملك .. وطلب منه الايضاح " ..
* : الفارس " مهران " .. هو فارس شجاع .. كان يحرس الأميرة ، عندما كانت تخرج للنزهة فى الغابة .. وفى حدائق القصر .. وكان يخاف عليها ويحميها من أى خطر .. ولم تشعر بالخوف لحظة وهى فى صحبته ..
رأت فيه الأميرة مصدرا للأمان .. وفى خوفه عليها .. قمة الحنان ..
ولمست فيه صفات الشهامة والرجولة .. والشجاعة ..
وكان خجولا فى مواجهتها .. ولم يرفع عينيه اليها وهو يحادثها ..
حرصا على مشاعرها الرقيقة .. وحفظا لثقتك فيه ..
وكان أهلا للأمانة التى حفظها ...
فرأت فيه الأميرة فارس أحلامها ..
كان يرعاها .. ويحافظ عليها .. دون يقترب منها أو يسبب لها حرجا ..
رأت فى عينيه مرات قليلة .. وبالمصادفة .. معان جميلة وكثيرة ..
فخفق قلبها بعاطفة جارفة نحوه ..
وأحست بأنه الانسان الذى طالما حلمت به ..
وتمنت أن تكون معه الى الأبد ..

ولكن القدر .. الذى تمثل فى الوزير " نمرود " .. أبى أن يتركهما فى سلام ..
فأمر الوزير .. قائد الحرس .. بنقله الى الفيلق المتقدم على الحدود ..
فى مواجهة الأعداء ..
ليتخلص منه فى أقرب فرصة ..
وشعرت الأميرة بهذا الخطر .. وهذه المكيدة ..
وتخليت الأميرة ما يمكن أن يحدث لو فقدته ..
لقد كان الأمل الوحيد الذى تعيش من أجله ..
انه حلمها الجميل .. الذى أوقظها منه الوزير " نمرود " ..
فأصابها ما أصابها من علة ..
وفقدت الاحساس بقيمة الحياة .. بل وتمنت الموت فى لحظة من اللحظات ..
فأخذت تذبل رويدا رويدا .. كالزهرة التى فقدت الماء والهواء ..
لقد أظلمت الدنيا فى عينيها .. ولم تجرؤ على الحديث فى ذلك مع أحد ..
خوفا من غضب سموك يا صاحب الجلالة ..
وفضلت الموت على الحياة بعيدا عن الانسان الوحيد الذى أحبته ..

قام الملك من مجلسه ..
داعيا مستشاريه ، وحكمائه ..
وطلب منهم التحقق فورا مما سمعه من الطبيب ..
وبعد تقص وبحث .. أبلغوه بصدق ما سمع ..
فأستدعى على الفور الوزير " نمرود " .. وسأله :
· لماذا فعلت ذلك أيها الوزير .. ؟
· حرصا منى على مولاتى الأميرة ، وحفاظا عليها ..
· أما كان من الأجدر بك أن تخبرنى أولا قبل أن تتصرف فى مثل هذا الأمر الذى هو من شأنى وحدى ؟
· صمت الوزير .. مستشعرا عدم رضا الملك عن فعلته ..
· ( استطرد الملك ) : لولا حسن نيتك ، وطول خدمتك معى ، لأمرت بقطع راسك على الفور .. لأنك تسبب فيما أصاب ابنتى الأميرة التى كدت أفقدها بسبب تصرفك .. ولكنى سأعاملك بحكمتى ، وسأكتفى بعزلك من منصبك .. وسأولى من هو أكثر منك حكمة ورحمة ..

أمر الملك باستدعاء الفارس " مهران " ..
وأعلن زواج الأميرة " قمر الزمان " من الفارس الشجاع " مهران " ..
وأمر باقامة الأفراح فى المملكة أربعين ليلة ..
احتفالا بهذا العرس الميمون ..
فعم الفرح المملكة .. وأقيمت الولائم .. ووزعت الهدايا والعطايا ..
وصدحت الموسيقى فى أرجاء القصر أربعين ليلة ..
وانخرط الجميع فى الرقص والغناء .. وغمرتهم السعادة ..
الا واحدا ..

سأل الملك فجأة عن الطبيب ..
لم يكن هناك مع الحاضرين ..
لم يشاركهم الأفراح .. لقد أختفى ...
أمر الملك بالبحث عنه فورا ..
وانتشر الحرس فى كافة أرجاء المملكة للبحث عن الطبيب ..
بحثوا عنه فى كل مكان .. ولم يجدوه ..
فكان لغزا محيرا .. أصاب الجميع بالحيرة ..
وعلمت الأميرة ..
فحزنت حزنا شديدا .. وطلبت من والدها أن يبحث عن الطبيب حتى تكتمل فرحتها
فأصدر الملك أوامره باستمرار البحث .. ورصد مكافأة كبيرة لمن يعثر عليه ..
وأستمر البحث ..

أخذت المملكة كلها تبحث عن الطبيب المختفى ..
تحقيقا لطلب الأميرة .. وأستكمالا لفرحتها ..
وبعد أيام ..
عثر بعض الناس على الطبيب ..
كان يرقد فى كوخ صغير على النهر .. فى طرف المملكة ..
ولكنه كان يطل من بعيد على قصر الأميرة ..
على الجانب الآخر من النهر ..
كان مريضا .. معتلا .. يعانى الضعف من قلة المأكل والمشرب ..
كان شاردا .. حائرا .. لا يرفع ناظريه عن قصر الملك الذى يضم جناح الأميرة ..
متمنيا أن تطل عليه عبر الأفق بوجهها الملائكى .. ولو مرة واحدة قبل أن يموت

ذهب الجميع الى الملك .. وأخبروه بما شاهدوا ..
وقالوا له .. أن الطبيب قد أصابته العدوى من مرض الأميرة ..
لقد كانت له نفس الأعراض ..
وعلمت الأميرة ..
فتألمت كثيرا .. لقد كان سببا فى شفائها من دائها ..
لقد أحست نحوه بالراحة والأمان ..
وكانت تحس بآلام الطبيب .. لأنها عانت منها من قبل ..
كانت الأيام التى قضتها تحكى له من قلبها ، وتشكو له همومها .. قد تركت أثرا حميما فى قلبها .. ولم تكن تعرف ما معنى هذه المشاعر .. أو الى متى .. وما مصيرها ..
ولكنها كانت – بكل تأكيد – تشعر بالراحة البالغة كلما تذكرت تلك الليالى ..
وما دار فيها من حديث ..
كانت تشعر الأميرة .. أن الطبيب قضى الوقت الطويل ساهرا .. منتبها .. من أجل شيئ واحد .. هو علاجها .. والبحث عن سعادتها وراحتها .. دون أن يفكر فى أى مقابل .. سوى أن يرى ابتسامتها الرقيقة .. وقد عادت اليها بعد غياب طويل ..

ياله من شيئ رائع .. ومعان جميلة .. أحست معها الأميرة بالعرفان بالجميل ..
فقررت أن تعالجه .. كما عالجها ..
وأن تقف الى جواره .. حتى يشفى من دائه .. لكى ترد له الجميل ..
فطلبت من والدها أن يأذن لها بزيارة الطبيب العليل فى كوخه الفقير ..
وأحس الملك بمشاعرها النبيلة .. الراقية ..
فأذن لها بما أرادت ..
وطلب من معاونيه أن يذهبوا ويخبروا الطبيب العليل بأن الأميرة قادمة لزيارته بعد أيام قليلة ,,

علم الطبيب بالخبر ..
لم يصدق ما سمعه فى بداية الأمر ..
فبعد أن كان يحلم برؤية طيفها فقط ..
سيراها وجها لوجه .. ويتحدثان معا ..!!
ما أجمل أن يتحقق الحلم .. وأن يصبح حقيقة واقعة ..
وبالرغم من مرضه وضعفه .. الا أنه أحس بأنه عاد شابا من جديد ..
أحس بأن كل شيئ حوله أسبح جميلا ..
أحس بأنه عاد للحياة .. بعد أن شعر بسكرات الموت ..
لقد كان هذا الخبر بالنسبة له .. أكسير الحياة ..
وأخذ يحلم باللقاء المنتظر ..

انطلق بخياله بلا حدود ..
وكان قلبه يدق بصوت عال .. حتى كاد يسمعه ..
وبرغم كبر سنه .. وطول خبرته .. وتجاربه ،
كان يحمل نفس الأحاسيس التى يشعر بها الانسان عندما يلتقى بحبيبته للمرة الأولى فى حياته ..
تداخلت المشاعر ، تدافعت العواطف .. وتزايدت الانفعالات ..
حتى أصبح لا يعرف ماذا سيفعل عندما تقع عينه عليها للوهلة الأولى ..
وأصبح يخشى الارتباك ، وأن تفضحه عيونه ..
فتنال من وقاره .. وكبريائه .. وأحس بالخوف من الشعور بالضعف أمام عيونها .
وتمنى أشياء كثيرة .. وحلق به الخيال الى آفاق بعيدة ..
وظل يحلم .. ويحلم
يالها من أحلام جميلة ..

جاء الموعد ....
وتحركت الأميرة بموكبها وحراسها ، الى كوخ الطبيب ..
حتى اذا وصلت اليه ،
نادته برقة وحنان .. " أين أنت ياطبيبى العزيز ؟؟ "
فنهض من فراشه .. وفتح الباب .. ونظر الى الأميرة ..
آه ه ه ه ه ه ه ..آهة مكتومة خرجت من صدره ملتهبة بنار الشوق اليها ..
لم يصدق الطبيب عيناه ..
كانت كما تخيلها .. ملاك من السماء ..
الرقة فى أسمى معانيها ..
الوجه الذى يجسد الجمال ، والبراءة ، والرقة .. ..
العيون الصافية العميقة .. التى يحار الانسان فى قراءة ما تحويه من معان عندما ينظر اليها ..
كانت مثل لوحة فنية ، أبدع الفنان فى رسمها ..
تنبض بالحيوية ، والدفئ .. والحب ..
وعندما يراها من يتزوق الفن .. لا يملك الا أن يقف مشدوها صامتا .. خاشعا ، حالما متأملا فى معبد الجمال ..

لم يفق من خياله الا بعد أن بادرته الأميرة بسؤالها :
" مابك ياطبيبى العزيز ؟ "
فجال بنظره حولها ..
الخادمات والحراس .. والمرافقين للموكب ..
سلاسل وأصفاد قاسية تكبل مشاعره ، وتقيد لسانه ..
ولكنهم لم يكبلوا عيناه .. أو خياله ..
فأحتضنها بعيناه ..
وأختطفها بخياله من بين كل هؤلاء .. وطار بها فوق السحاب ..
فأحست هى فى نفس اللحظة برجفة هزت جسدها الرقيق ..
وتغلغلت نظراته فى أعماقها ..
فقد كانت تنظر الى عينيه .. وقرأت ما بهما ..

أفاق مرة أخرى على صوت أجش أرتعدت له فرائصه ..
" لماذا لا ترد على سمو الأميرة ؟؟ " .. كان قائد الحرس ..
فأحس الطبيب وكأن عزرائيل قد جزبه بعنف الى الخلف بعد دخل الجنة ..
ليخرجه الى الدنيا مرة أخرى ..
فقال الطبيب : " معذرة ياسمو الأميرة " .. ان سعادتى بحضورك الى هذا المكان المتواضع ، جعلنى عاجزا عن التعبير .. لكننى مدين بكرمك فى تشريفى بهذه الزيارة ..
فسألته الأميرة : " مما تعانى أيها العزيز ؟؟ "
فنظر اليها .. ولم يجب ..
ولكنها أحست بأنه يعانى من نفس الأعراض التى كانت تعانى منها سابقا ..
فأخبرته بأنها لن تنسى ماقدمه لها فى محنتها ..
وأنها لن تتخلى عنه .. بل ستبذل ما تستطيع لمساعدته على الخروج من محنته .
وأنصرفت ..

ذهبت الأميرة الى والدها ..
وشرحت له حالة الطبيب ..
وقالت له : " يا أبى .. كيف نرد لهذا الطبيب ما قدمه لنا من جميل ؟؟ "
وتشاورا معا ..
ثم أصدر الملك أمرا ببناء منزل جميل من أفخر أنواع الأخشاب فى جانب جميل من حديقة القصر .. بحيث يكون مقابلا لجناح الأميرة ..
وأمر باحاطته بالاشجار والزهور الجميلة النادرة .. وأشجار الفاكهة ..
وطلب بأن يكون كل شيئ داخل هذا المنزل وخارجه ينم عن الجمال والفن ..
وتجهيز المنزل بأفخر الأثاث .. لتوفير الراحة التى يستحقها هذا الرجل الطيب ..
ثم طلب من قائد الحرس الذهاب فى موكب جميل ، لاحضار الطبيب ليسكن هذا المنزل ..
وعندما حضر الطبيب .. توجه الى الملك ليعبر عن شكره وامتنانه لما قدم له ..
فقال له الملك : " لقد قدمت لى جميلا لن أنساه .. لقد أعدت البسمة والفرحة لى ولأبنتى .. وجمعت شمل حبيبان ، وهذا عمل انسانى عظيم .. لقد كنت سببا فى الأفراح والسعادة والخير الذى عم المملكة كلها ..
وهذا البيت .. هو أقل ما يمكن أن نقدمه لك حتى تكون قريبا من الأميرة ..
فلا تبخل عليها بالنصح ..
وستحتاج الى حكمتك دائما ..
وأنا لا أجد أفضل منك لأثق فيه ، ليرعاها .. ويعتنى بها ..
وهى من اليوم أمانة بين يديك ..
فشكره الطبيب على ثقته وكرمه ، ووعده بأن يكون أهلا لثقته .. وأن يصون أمانته ..

وفى صباح اليوم التالى ..
نزلت الأميرة الى حديقة القصر تتهادى كالفراشة بين الأشجار والزهور ..
لتنعم بجمال الطبيعة .. وسحرها ..
وعندما وصلت الى منزل الطبيب ..
وجدت أنه قام بحفر بعض أبيات من الشعر على باب المنزل ..

غناء البلبل يوقظنى ..
ونسيم الصبح يداعب أوراق الشجر ..
وخيوط الشمس تغازلنى ..
وعبير الزهر يغمرنى .. فيطول العمر ..
وخرير الماء يدغدغنى ..
واللون الأخضر من حولى ينسينى سنوات الفقر ..
وملاك الحب ينادينى ..
ونداء الأمل يشفينى من داء السحر ..
ورقة قلب تحيينى ..
ونظرة عين تروينى ..
وصباح الخير .. تكفينى ..

فابتسمت الأميرة .. وقالت : " صباح الخير ياطبيبى "
فنظر اليها الطبيب من النافذة مبتسما وقال :
صباح الورد يا................................. " سمو الأميرة "