الأحد، 17 يونيو 2018














آلية تنظيم والرقابة على البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        لما كنا قد إستعرضنا فى المقالات السابقة نشأة البنوك التجارية أو التقليدية وتطورها وإنتشارها عالمياً ، وما إستدعته الضرورة من وجود آليات لمراقبة آداء هذه البنوك ، ووضع معايير لقياس آدائها ومراكزها المالية ، وسبل تأمين أموال هذه البنوك من المخاطر ، وتمثلت آلية مراقبة هذه البنوك فى دور البنوك المركزية ، ولجنة بازل ومقرراتها ومعايير القياس الخاصة بها ..
        وبناء على ظهور البنوك الإسلامية فى السبعينيات فى المنطقة العربية ، ثم إمتدادها الى دول غير عربية ، بل بعض الدول الأوروبية .. فقد كان لزاماً إيجاد بعض الجهات والهيئات الدولية التى تقوم بنفس دور لجنة بازل ، مع الأخذ فى الإعتبار أساليب وطرق العمل فى البنوك الإسلامية ، والفرق بينها وبين البنوك التقليدية .

تنويه :
سوف يتم إستعراض نشأة البنوك الإسلامية وتطورها ، ونظم العمل بها ، وأوجه الخلاف بينها وبين البنوك التقليدية فى مقالات تالية ، ولكن رأينا أنه مراعاة لتواصل موضوع الرقابة على البنوك ، فإننا سنعرض أوجه الرقابة على البنوك الإسلامية حتى يتسنى للقارئ التواصل فى نفس الموضوع " الرقابة والمتابعة " ، والمقارنة بين النظامين المصرفيين المتاحين على الساحة حالياً ...
       
أجمعت المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية على أهمية إنشاء – مبدئياً – جهتان رقابيتان أو إشرافيتان ، تتولى كل منهما دور فى التنظيم والرقابة على البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ، ووضع معايير قياس الكفاءة ، وتوحيد النظم المحاسبية وتعريف منتجات التمويل الإسلامى ، وسوف نستعرض فيما يلى ملخصاً حول كل من :   
   
         أ‌-   مجلس الخدمات المالية الإسلامية
        مجلس الخدمات المالية الإسلامية هو هيئة دولية ، تضع معايير لتطوير وتعزيز صناعة الخدمات المالية الإسلامية ، وذلك بإصدار معايير رقابية ومبادئ إرشادية لهذه الصناعة التي تضمّ بصفة عامة قطاع البنوك ، وسوق المال ، والتكافل  )  التأمين الإسلامي ) .
إنّ المعايير التي يعدّها مجلس الخدمات المالية الإسلامية تتبع إجراءات مفصلة تم وصفها في وثيقة  "الإرشادات والإجراءات لإعداد المعايير والمبادئ الإرشادية"   والتي تشمل ، من بين أشياء أخرى ، إصدار مسودة مشروع  عقد ورش عمل ، وفي حالة الضرورة ، عقد جلسات استماع ، و يعد مجلس الخدمات المالية الإسلامية أبحاثاً تتعلق بهذه الصناعة ، وينظم ندوات ومؤتمرات علمية للسلطات الرقابية وأصحاب الاهتمام بهذه الصناعة ،  ولتحقيق ذلك  يعمل مجلس الخدمات المالية الإسلامية مع مؤسسات دولية ، وإقليمية ، ووطنية ذات صلة ، ومراكز أبحاث ، ومعاهد تعليمية ومؤسسات عاملة في هذه الصناعة.

       ب‌-       هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية :
تم إنشاء هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ، بموجب اتفاقية التأسيس الموقعة من عدد من المؤسسات المالية الإسلامية بتاريخ 1 صفر 1410هـ الموافق 26 فبراير 1990م في الجزائر. وقد تم تسجيل الهيئة في11 رمضان 1411هـ الموافق 27 مارس 1991م في دولة البحرين بصفتها هيئة عالمية ذات شخصية معنوية مستقلة لا تسعى إلى الربح.
وتهدف الهيئة إلى تطوير فكر المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ونشر ذلك الفكر وتطبيقاته عن طريق التدريب وعقد الندوات وإصدار النشرات الدورية وإعداد الأبحاث وغير ذلك من الوسائل ، وإعداد وإصدار وتفسير ومراجعة وتعديل معايير المحاسبة والمراجعة لتلك المؤسسات وذلك بما يتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية التي هي التنظيم الشامل لجميع مناحي الحياة ، وبما يلائم البيئة التي تنشأ فيها تلك المؤسسات ، وينمي ثـقة مستخدمي القوائم المالية بالمعلومات التي تصدر عنها وتشجعهم على الاستثمار والإيداع لديها والاستفادة من خدماتها .
وقد سبق إنشاء الهيئة جهود تحضيرية كبيرة إداريا وفنياً ، وكانت البداية ورقة العمل التي قدمها البنك الإسلامي للتنمية في الاجتماع السنوي لمحافظي البنك في اسطنبول في مارس 1987 ثم تكونت بعد ذلك لجان عدة للنظر في أفضل السبل لإعداد معايير محاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية، وصدر عن تلك اللجان دراسات وتقارير.
ومنذ بداية عملها في 1411هـ (1991م) وحتى عام 1415هـ (1995م) كان الهيكل التنظيمي للهيئة يتكون من :

لجنة الإشراف وتتكون عضويتها من سبعة عشر عضواً، ومجلس معايير المحاسبة المالية وتتكون عضويته من واحد وعشرين عضواً، ولجنة تنفيذية تعين من بين أعضاء مجلس معايير المحاسبة المالية ، ولجنة شرعية من أربعة فقهاء .
وبعد مضي أربعة أعوام على عملها ، قررت لجنة الإشراف تشكيل لجنة للتقويـم وذلك للنظر في النظام الأساسي للهيئة وهيكلها التنظيمي ، وقد تم بموجب التعديلات التي أدخلت على النظام الأساسي والتي اعتمدتها لجنة الإشراف تغيير اسم الهيئة ليصبح" هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية "، وتعديل هيكلها التنظيمي ليتمثل في :
v          جمعية عمومية .
v          مجلس أمناء (بديلاً عن لجنة الإشراف) .
v          ومجلس معايير المحاسبة والمراجعة بعد أن كان مقتصراً على المحاسبة وحدها .
v          ولجنة تنفيذية .
v          ولجنة شرعية .
v          وأمانة عامة يترأسها أمين عام .
كما شمل تعديل النظام الأساسي تغيير أسلوب تمويل الهيئة ، ففي الماضي كان تمويل الهيئة يتم عن طريق مساهمات يدفعها الأعضاء المؤسسون (البنك الإسلامي للتنمية ، مجموعة دار المال الإسلامي ، شركة الراجحي المصرفية للاستثمار، مجموعة دله البركة ، بيت التمويل الكويتي) ، وقد نص النظام الأساسي المعدل على إنشاء مال "وقف وصدقة " تساهم فيه المؤسسات الأعضاء في الهيئة بدفع رسم عضوية (مرة واحدة فقط) ، ويتم تمويل نشاطات الهيئة من ريع هذا الوقف ورسم الاشتراك السنوي والمنح والتبرعات والوصايا وأي مصادر تمويل أخرى .

أهداف الهيئة :  
في عام 1419هـ ( 1998م ) تم إدخال تعديلات على النظام الأساسي للهيئة ، وشملت هذه التعديلات توسيع أهداف الهيئة . وقد نصت المادة الرابعة من النظام الأساسي المعدل على أن الهيئة تهدف في إطار أحكام الشريعة الإسلامية إلى :
1.           تطوير فكر المحاسبة والمراجعة والمجالات المصرفية ذات العلاقة بأنشطة المؤسسات المالية الإسلامية .
2.           نشر فكر المحاسبة والمراجعة المتعلقة بأنشطة المؤسسات المالية الإسلامية وتطبيقاته عن طريق التدريب وعقد الندوات وإصدار النشرات الدورية وإعداد الأبحاث والتقارير وغير ذلك من الوسائل .
3.           إعداد وإصدار معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وتفسيرها للتوفيق ما بين الممارسات المحاسبية التي تتبعها المؤسسات المالية الإسلامية في إعداد قوائمها المالية وكذلك التوفيق بين إجراءات المراجعة التي تتبع في مراجعة القوائم المالية التي تعدها المؤسسات المالية الإسلامية.
4.           مراجعة وتعديل معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية لتواكب التطور في أنشطة المؤسسات المالية الإسلامية والتطور في فكر وتطبيقات المحاسبة والمراجعة .
5.           إعداد وإصدار ومراجعة وتعديل البيانات والإرشادات الخاصة بأنشطة المؤسسات المالية الإسلامية فيما يتعلق بالممارسات المصرفية والاستثمارية وأعمال التأمين .
6.           السعي لاستخدام وتطبيق معايير المحاسبة والمراجعة والبيانات والإرشادات المتعلقة بالممارسات المصرفية والاستثمارية وأعمال التأمين ، التي تصدرها الهيئة ، من قبل كل مـن الجهات الرقابية ذات الصلة والمؤسسات المالية الإسلامية وغيرها ممن يباشر نشاطا ماليا إسلاميا ومكاتب المحاسبة والمراجعة.








" المعايير الدولية لتقييم البنوك "






كما أسلفنا فى المقالات السابقة .. فإن أهمية البنوك فى المجال الإقتصادى والتنمية ، وتبادل الثروات بين الدول عن طريق التجارة الدولية ، وإقامة المشروعات المشتركة فرضت على المجتمع الدولى تكليف خبراء الإقتصاد إيجاد وسيلة لتأمين أموال الدول فى المعاملات التجارية والصناعية والمشروعات لدى الدول الأخرى ، عن طريق وضع معايير مالية وإقتصادية ، وإيجاد وسائل لتقييم الآداء المصرفى لدى البنوك بصفة عامة ، للتأكد من سلامة ودقة مراكزها المالية ، وأن التقارير المالية للبنوك تعكس حقيقة الوضع المالى للبنك ، ومدى سلامة آداؤه فى إطار السياسات المحلية والدولية ، دون الإكتفاء بالرقابة المحلية للبنوك المركزية .
وقد أسفرت الدراسات والبحوث المتبادلة لدى المختصين المهتمين بهذا الأمر عن مجموعة من الضوابط والمعايير التى تتيح قياس مخاطر الإئتمان لكل بنك ، ووضع الضمانات اللازمة لتأمين الممارسة المصرفية عن طريق فرض إنشاء إدارات مختصة بقياس مخاطر الإئتمان فى إطار الهيكل التنظيمى للبنك ، مع توفير الإستقلالية لهذه الإدارات بتبعيتها المباشرة لأعلى سلطة فى البنك " مجلس الإدارة " وتحت الإشراف المباشر للبنوك المركزية ، التى تتلقى تقارير دورية إلزامية عن مدى الإلتزام بضمانات مخاطر الإئتمان ، الى جانب الدور الطبيعى والحيوى لإدارات المراجعة والتدقيق الداخلى .
وعلى المستوى الدولى ، كانت هناك إجراءات بدأت لتناول معايير القياس وتصنيف البنوك والدول وفقاً لقوة أوضاعها المالية والإقتصادية ، لتكون هادياً لمن يرغب فى التعامل التجارى الدولى وإقامة المشروعات الدولية المشتركة .. وقد بدأت هذه الإجراءات بمعرفة اللجنة المشكلة لهذا الغرض ، فى مدينة " بازل " فى سويسرا ، حيث عقد ت عدة إجتماعات وقرارات سميت فيما بعد بمقررات  " بازل الأولى "  و " بازل الثانية " حيث سميت بهذا الإسم نسبة الى المدينة التى عقدت بها هذه الإجتماعات .
وسوف نستعرض ببساطة وإختصار شديدين ، مقررات بازل الأولى والثانية فيما يلى ، دون الخوض فى التفاصيل الفنية ، تسهيلاً على عامة القراء غير المتخصصين فى المجال ، وإكتفاءً بالتنويه الكافى لتكوين خلفية عامة عن هذا الموضوع .
إن الصناعة المصرفية وما تتطلبه من مبادئ للإدارة والرقابة عليها قد عرفت تطورًا كبيرًا خلال ربع القرن المنصرم ، حيث لعبت لجنة بازل للرقابة لمصرفية دورًا رائدًا في تقنين العديد من هذه التطورات ، وكانت البداية في إصدار اتفاقية بازل الأولى ، والتي قامت بتطوير حزمة من المعايير الجديدة لكفاية رأس المال وللرقابة المصرفية التي ينبغي أن تسود في النظام المصرفي الدولي .
وقد جاء هذا الإجراء نتيجة للتنسيق بين البنوك المركزية لمجموعة الدول الكبرى بغرض تحقيق المنافسة السليمة بينها ، ثم لم يلبث أن اعتبر هذا الصالح معيارًا للسلامة المالية للبنوك ، وأصبح  التوافق مع هذه الشروط عنصرًا في تحديد الجدارة الإئتمانية للدول وبنوكها .
منذ سبعينات القرن الماضي وجد محافظو البنوك المركزية بالدول الصناعية العشر الكبرى أن المنافسة بين البنوك الكبرى لدولهم لم تكن دائمًا عادلة بالنظر إلى اختلاف مستوى القيود التي تفرض على هذه البنوك في مختلف الدول ، فبعض الدول تضع قيودًا مشددة على البنوك في حين أن البعض الآخر يأخذ بنظم أكثر تساهلاً  ، فقد وجدوا أنه من المناسب تحقيق أكبر قدر من التناسق في القيود المفروضة على العمل المصرفي بينها بغرض توفير درجة أكبر من المنافسة السليمة دوليًا في عمل هذه البنوك .
لذا، فقد تأسست لجنة بازل للرقابة المصرفية تحت مسمى " لجنة الأنظمة المصرفية والممارسات الرقابية " ، بمبادرة من محافظي البنوك المركزية لمجموعة الدول الصناعية العشر الكبرى مع نهاية عام 1974 ، تحت إشراف بنك التسويات الدولية بمدينة بازل بسويسرا ، وقد اقتصر أعضاؤها على مسئولين من هيئات الرقابة المصرفية ومن محافظي البنوك المركزية لتلك الدول ، والتي أصبحت 13 دولة  متمثلة في كل من " بلجيكا ، كندا، فرنسا ، ألمانيا ، ايطاليا ، اليابان ، هولندا ، سويسرا ، السويد ، بريطانيا ، اسبانيا ، لوكسمبورغ والواليات المتحدة الأمريكية " .
تعتبر لجنة بازل للرقابة المصرفية لجنة استشارية فنية لا تستند إلى أية اتفاقية أو معاهدة دولية ، فهي تنظيم غير رسمي قائم على تفاهم وتنسيق في المواقف بين محافظي بنوك الدول الصناعية ، وقد استطاعت هذه اللجنة أن تساهم بقدر كبير في إعطاء إطار دولي للرقابة المصرفية وإيجاد فكر مشترك بين البنوك المركزية في دول العالم المختلفة يقوم على التنسيق بين مختلف السلطات الرقابية ، وكذلك التفكير في إيجاد آليات لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها البنوك إدراكًا منها بأهمية وخطورة القطاع المصرفي .
وتجتمع هذه اللجنة أربع مرات سنوياً ويساعدها عدد من فرق العمل الفنية لدراسة مختلف جوانب الرقابة على البنوك ، وبذلك أصبحت هذه اللجنة تمثل حجر الأساس للتعاون الرقابي الدولي .
كذلك تلجأ بعض المنظمات الدولية ، فضلا عن بعض الدول إلى ربط مساعدتها للدول الأخرى بمدى احترامها لهذه القواعد والمعايير الدولية ، وتتضمن برامج الإصلاح المالي للصندوق والبنك الدوليين في كثير من الأحوال شروط تلزم الدول بإتباع القواعد والمعايير الدولية في مجال الرقابة على البنوك وغيرها من قواعد ومعايير الإدارة السليمة ، فالقواعد التي تصدرها لجنة بازل تتمتع بهذا الإلزام الأدبي والذي يصاحبه في معظم الأحوال تكلفة اقتصادية عند عدم الإنصياع لها .
وتتضمن قرارات وتوصيات اللجنة وضع المبادئ ، والمعايير المناسبة للرقابة على البنوك ، مع الإشارة إلى نماذج الممارسات الجيدة في مختلف البلدان بغرض تحفيز الدول على إتباع تلك المبادئ والمعايير والإستفادة من هذه الممارسات .
وتهدف لجنة بازل إلى تحقيق الأمور التالية :
1.    المساعدة في تقوية استقرار النظام المصرفي العالمي ، وخاصة بعد تفاقم أزمة المديونية الخارجية للدول النامية  حيث توسعت البنوك وبخاصة الدولية منها خلال السبعينات كثيرًا في تقديم قروضها لهذه الدول ، وتزايد حجم ونسبة الديون المشكوك في تحصيلها وتعثر بعض هذه البنوك ، مما أضعف مراكزها المالية إلى حد كبير .
2.    إزالة مصدر مهم للمنافسة غير العادلة بين البنوك الناشئة عن الفروق في متطلبات الرقابة الوطنية بشأن رأس المال المصرفي ، فمن الملاحظ منافسة  البنوك اليابانية ، حيث استطاعت أن تنفذ بقوة كبيرة داخل األسواق التقليدية للبنوك الأمريكية والأوروبية في ذلك الوقت ، وقد يكون هذا هو السبب الرئيسي الثاني وراء الإندفاع الأوروبي لتحديد حد أدنى لكفاية رأس المال .
3.    العمل على إيجاد آليات للتكيف مع التغيرات المصرفية العالمية وفي مقدمتها العولمة المالية والتي تنبع من التحرير المالي وتحرير الأسواق النقدية من البنوك ، بما في ذلك التشريعات واللوائح والمعوقات التي تحد من اتساع وتعميق النشاط المصرفي للبنوك عبر أنحاء العالم في ظل الثورة التكنولوجية .
4.    تحسين الأساليب الفنية للرقابة على أعمال البنوك وتسهيل عملية تداول المعلومات حول تلك األساليب بين السلطات النقدية المختلفة .

مقررات لجنة بازل وتعديلاتها التنظيمية :
أقرت لجنة بازل عام 1988 وبعد اجتماعات ومشاورات متعددة من خلال فرق عمل متخصصة اتفاقًا لوضع قواعد لكفاية رأس المال لدى البنوك ، والمقصود بذلك وضع حدود دنيا لنسبة رأس المال المتوفر للبنك مقابل معايير مالية ومصرفية بازل الأولى وبازل الثانية :
          أ‌-         القروض والتسهيلات الائتمانية التي يمنحها البنك للعملاء :
وهو يعد معيارًا موحدًا لكفاية رأس المال ملزمًا لكافة البنوك العاملة في النشاط المصرفي للدلالة على المركز المالي للبنك ، ويقوي ثقة المودعين فيه من منظور تعميق ملاءة البنك.
وقد أقرت اللجنة في هذا الصدد اتفاقية بازل الأولى التي أصبح بمقتضاها يتعين على كافة البنوك العاملة الإلتزام بأن تصل نسبة رأسمالها إلى مجموع أصولها الخطرة بعد ترجيحها بأوزان المخاطر االئتمانية إلى 8 % كحد أدنى ، وعلى جميع البنوك تعديل أوضاعهم مع هذه النسبة مع نهاية عام 1992 .
       ب‌-       معيار كفاية رأس المال وفقا لمقررات بازل 1 :
طبق هذا المعيار من طرف بنك الإحتياط الفدرالي لولاية نيويورك منذ عام 1952، وأوصت لجنة بازل بأن يعمم على البنوك التي لها نشاط دولي أو ترغب في أن يكون لها نشاط دولي .
يتم احتساب معيار كفاية رأس المال المحدد بنسبة 8 % من خلال قسمة رأس المال المتاح للبنك أو ما يطلق عليه القاعدة الرأسمالية على الموجودات المرجحة أو الموزونة حسب درجة المخاطرة ، حيث تم ترجيح الموجودات المصرفية بأوزان مخاطر اختصرت بأربعة نسب وهي (صفر، عشرين ، خمسين ، ومائة في المائة ) شملت بنود داخل وخارج الميزانية ، وتركت المجال مفتوحًا للسلطات النقدية في اختيار الوزن المناسب لمخاطر البعض الآخر.
وقامت مقررات لجنة بازل على أساس هذا المعيار بتصنيف الدول إلى مجموعتين :
المجموعة الأولى متدنية المخاطر وتضم دول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية يضاف إلى ذلك دولتان هما سويسرا والمملكة العربية السعودية .
المجموعة الثانية فهي عالية المخاطر، وتضم بقية دول العالم ، فالقروض والتسهيالت التي تمنح للحكومات والبنوك العاملة في دول المجموعة الأولى تعتبر قروضًا وتسهيلات خالية من المخاطر، ولذلك فإنه لا يشترط فيها الإحتفاظ بأية نسبة من رأس المال كضمان ، أما بالنسبة لباقي القروض والتسهيالت للأفراد أو المشروعات فإن الإتفاق يتطلب من البنوك أن تحتفظ بنسبة 8 % من رأس المال .
وقد تم الإتفاق في إطار مباحثات لجنة بازل على تقسيم رأس المال المصرفي إلى شريحتين وذلك لأهداف رقابية وإشرافية :
1 - الشريحة الأولى : رأس المال الأساسي (Core Capital) ، ويشتمل على حقوق المساهمين / حقوق الملكية أو رأس المال المدفوع إضافة إلى الإحتياطيات المعلنة والأرباح غير الموزعة أو المحتجزة .
2 - الشريحة الثانية: رأس المال المساند أو التكميلي (Supplementary Capital) ويشتمل على الإحتياطيات غير المعلنة ، احتياطيات إعادة تقييم الموجودات ، مخصصات الإحتياطيات العامة للديون المتعثرة ، الإقراض متوسط وطويل الأجل من المساهمين ، والأسهم والسندات التي تتحول إلى أسهم بعد فترة . وقد اشترطت أن لا يزيد رأس المال المساند عن 100 % من رأس المال الأساسي كحد أقصى ، وأن لا يزيد بند المديونية للغير ( أي سندات رأس المال ) عن 50 % كحد أقصى من رأس المال المساند .

        من الجدير بالذكر .. أن لجنة بازل وما أقرته من قرارات وتوصيات نحو المعايير المصرفية ، كانت تتناسب وتعتمد على الأنظمة المصرفية للبنوك التجارية  ، ولم تأخذ فى الإعتبار بعض الإعتبارات المتعلقة " بالبنوك الإسلامية " التى تختلف فى تفاصيلها وأسلوب عملها ومراكزها المالية عن البنوك التقليدية ، وكان ذلك بداية تحفظ من جانب البنوك الإسلامية التى رأت أنه من الضرورى أن تكون هناك جهة رقابية موازية للجنة بازل ، للقيام بمهام الرقابة والتقييم ووضع المعايير لقطاع البنوك الإسلامية الذى لا يمكن تجاهله ، بعد الزيادة المتطردة فى عدد وحجم البنوك الإسلامية وإنتشارها ، وهذا ما سيتم تناوله فى المقالة التالية .








آلية الرقابة على البنوك





        كما أسلفنا فى المقالة السابقة .. فإن البنوك التجارية بدأت فى الإنتشار ، وأصبحت هامة وضرورية فى حياة رجال الأعمال والصناعة ، بل وفى كافة مجالات الحياة اليومية للإنسان ، بما حققته من أمان فى حفظ أموالهم ، وسهولة فى معاملاتهم ونمواً فى مدخراتهم ، وإستثماراتهم على المستوى المؤسسى أو الفردى .
        ومن هذا المنطلق ، رأت الدول والحكومات أنها مسئولة عن الحفاظ على أموال مواطنيها من عملاء البنوك ، وتجنب مخاطر إدارة هذه الأموال بوضع آلية لتنظيم ممارسة النشاط ، ووضع النظم واللوائح وإصدار القوانين والتعليمات التى تحكم إدارة أموال المودعين ، بل وفرض الرقابة والمتابعة لممارسة البنوك لنشاطها وإدارة أموال العملاء ، بل أمتد الأمر الى التفتيش ومراجعة الجوانب المستندية والإجرائية ، والتأكد من تمشيها مع السياسات والتعليمات والقوانين الموضوعة فى هذا الشأن .
  بناء عليه .. رأت الحكومات أن إنشاء جهة تابعة لها  ، للقيام بالمهام والواجبات سالفة الإشارة ، وإصدار القوانين التى تفوضها الصلاحيات التى تمكنها من القيام بمهامها نحو تأمين حقوق العملاء بكافة طوائفهم  أصبحت ضرورة حتمية .
 من هنا كانت فكرة إنشاء البنوك المركزية فى كافة الدول التى تعمل بها بنوك ، بل أن وجود البنوك المركزية أصبح شرطاً لتعامل باقى الدول مالياً مع بنوك الدول الأخرى على المستوى الإقليمى والدولى .
لقد جاءت نشأة البنوك المركزية متأخرة بعض الشيء عن نشأة البنوك التجارية التي ظهرت في الدول الأوروبية قبل القرن السابع عشر .. ففي بادئ الأمر، كانت البنوك التجارية تقوم بإصدار النقود وتقبل الودائع وتقدم القروض . وفي ضوء بساطة وتواضع النشاط الإقتصادي والمالي في تلك الفترة ، لم تكن هنالك حاجة لوجود هيئة إشرافية تتولى رسم سياسة عامة أو تضع القواعد التنظيمية لعمل البنوك . ولكن إفراط بعض هذه البنوك وتوسعها في إصدار النقود أدى إلى حدوث أزمات مالية انعكست سلباً على الاقتصاد ، الأمر الذي استدعى وجود مؤسسة تعنى بتنظيم النشاط المصرفي وتنظيم عملية إصدار النقود للتحكم بعرض النقد.
وقد أوكلت هذه المهمة في بادئ الأمر إلى أحد البنوك القائمة ، ومع تزايد النشاط الإقتصادي وتزايد احتياجات الحكومات للتمويل ، وتزايد حركة السلع والأموال عبر الحدود ، أصبحت المعاملات المصرفية أكثر تعقيداً ، ظهرت الحاجة إلى وجود هيئة من خارج البنوك لتتولى عملية الإشراف على عمل تلك البنوك وتنظيم العمل الصرفي ،  بالإضافة إلى تنظيم عملية إصدار النقد ، كان من المنطقى أن تنشأ جهات سيادية تابعة للدولة ، تقوم بمهام الرقابة والتنسيق والتنظيم ، وتطبيق سياسات الدولة المالية والإقتصادية ، والحفاظ على أموال المودعين وضمان حسن إستخدامها لصالح المجتمع والأفراد .
 فكانت نشأة البنوك المركزية . ومن هنا فإن إنشاء البنوك المركزية فى بادئ الأمر ، إنما جاء للتحكم في عرض النقود وتنظيم إصدارها .
وبعد الحرب العالمية الثانية ، ونظراً لضخامة حجم رؤوس الأموال اللازمة لإعادة بناء الإقتصادات المدمرة ، تطورت أهداف ومهام البنوك المركزية من دور بسيط يتمثل - كما أسلفنا - في عملية إصدار النقود وتنظيم أعمال البنوك التجارية ، إلى دور تنموي دعمته الأدبيات الاقتصادية آنذاك وخاصة تلك الصادرة عن المؤسسات الدولية كالبنك والصندوق الدوليين . فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر السبعينات ، راجت فكرة تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي ، وهيمنت على معظم الدول فكرة التخطيط الإقتصادي لتحقيق التنمية .
وقد فرض هذا الواقع، وخصوصاً في الدول النامية ، على البنوك المركزية أن تتجاوز في سياستها النقدية هدف الإستقرار النقدي إلى هدف المساهمة في دعم النمو الإقتصادي .
ولتحقيق ذلك كان من الطبيعي أن تتوسع البنوك المركزية في تمويل عجوزات الموازنات العامة للحكومات ، وأن تلجأ إلى التأثير على السياسات الإئتمانية للبنوك من خلال الإجراءات الإنتقائية لتوجيه الإئتمان نحو القطاعات التي ترغب الدولة بتنميتها وخاصة قطاعات الإنتاج السلعي كالصناعة والزراعة.
وقد أملى ذلك تغيراً ملحوظاً في دور البنوك المركزية منذ أوائل الثمانينات ، حيث أصبح دور البنك المركزي يتمركز من جديد حول إرساء سياسة نقدية سليمة ذات فاعلية عالية في تحقيق الاستقرار النقدي بالدرجة الأولى .
وضمن هذا الإطار، انصرفت البنوك المركزية في بعض الدول المتقدمة إلى التركيز على استهداف معدل التضخم كهدف رئيس لسياستها النقدية وذلك في ضوء تحرير أسواق رأس المال في العالم ، أمّا البنوك المركزية التي تتولى مهام التنظيم والرقابة على البنوك ، فتعتبر مسؤولة عن توفير البيئة المصرفية المناسبة وعن ضمان سلامة الأوضاع المصرفية إلى جانب رسم وتنفيذ السياسة النقدية.
وبالنتيجة ، فقد أصبحت السياسة النقدية ، ورغم مرورها بالعديد من التحولات ، تركّز على الاستقرار النقدي ونقصد هنا الاستقرار الداخلي ( استقرار المستوى العام للأسعار) والاستقرار الخارجي ( استقرارسعرالصرف ) ، هذا فضلاً عن توفير المتطلبات المالية للنشاط الاقتصادي .
ومن الطبيعى أن تحتاج البنوك المركزية الى الأدوات التى تؤهلها للقيام بهذه المسئولية ، والتى تتلخص فى الآتى :
1.               وضع القوانين المنظمة والحاكمة لمنح تراخيص مزاولة مهنة الصرافة بشروط ومعايير تضعها الدولة لضمان الثقة وحسن الآداء ، وتحقيق الأهداف الموضوعة .
2.               إصدار القوانين التجارية التى تؤمن حقوق كافة أطراف هذا النشاط ، وتمكن من فض المنازعات ، وتؤمن حقوق المتقاضين .
3.               مراقبة الآداء للبنوك والمؤسسات المصرفية ولكل من يزاول مهنة الصرافة على المستوى الفردى أو المؤسسى .
4.               وضع السياسات العامة للدولة فيما يتعلق بمساهمة الكيانات المصرفية فى تنمية المجتمع ، ودعم المركز الإقتصادى للدولة .
5.               الإشراف على توفير الكفاءات المهنية التى تؤهل المؤسسات المصرفية للقيام بمهامها عن طريق التعليم والتدريب .
6.               توفير الكفاءات القادرة على أعمال الرقابة والمتابعة والمراجعة لأعمال المؤسسات المصرفية .
تلك كانت بإختصار شديد بعض مهام البنوك المركزية فى بداية القيام بمهامها ومسئولياتها تجاه النشاط المصرفى الجديد فى ذلك الوقت .